على أنّ الآية من سورة الشعراء
نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ . عَلى قَلْبِكَ
. . .
بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ
« 1 » ناصّة على أنّ النازل من عند اللّه وعلى يد أمينه جبرائيل ، هو هذا القرآن بنصّه ولفظه العربيّ المبين . فالآية على عكس مطلوب المستدلّ أدلّ .
وقد نسب هذا القول إلى « معمّر بن عبّاد السّلمي » « 2 » ( ت 215 ) من رؤساء المعتزلة ، ولكن نسبة مأخوذة من قياس المساواة ، إذ لا تصريح له بذلك وإنّما هو لازم كلامه ومذهبه في كلامه تعالى ، فيما زعموا . لأنّه قائل بأنّ الكلام في ذاته عرض ، والعرض عند المعتزلة حركة ، وهو قائم بجسم ، فيستحيل أن يقوم به تعالى ، إذ لا يكون محلّا للأعراض . فليس كلامه تعالى سوى ما يبدو من المحلّ الصادر منه ، إن شجرة أو إنسانا . فالكلام الصادر من الشجرة فعل لها ، والصادر من إنسان فعل له . وإن كان بإرادة اللّه وخلقه وإيجاده « 3 » .
فكما أنّ الكلام منّا صادر عن إرادتنا ، غير أنّ المحلّ الصادر منه هو جسمنا ( بسبب اللسان ) ، كذلك الكلام الصادر منه تعالى صادر عن إرادته ، ولكن المحلّ الصادر منه هو شجر أو إنسان ، من غير أن يكون عن إرادتهما .
وعليه فلم يكن الصادر من الشجر أو الإنسان صدورا عن إنشائهما وعن إرادتهما بالذات ، ومن ثمّ فمن العبث قول بعضهم : أنّ معنى ذلك : أنّ كلامه تعالى الصادر عن محلّ ، عبارة عن استعداد وقابليّة يخلقها اللّه في شجرة أو يمنحها لإنسان ، فيقوم هو بإنشاء كلام يتجلّى فيه إرادته تعالى . ولازمه : أن تكون الشجرة هي التي تكلّمت مع موسى عليه السّلام ولكن بإذنه تعالى . وهذا غريب لم يقل به أحد قطّ .
وهكذا استندوا إلى ما نسبه إليه الراوندي قائلا : « وكان ( أي معمّر ) يزعم أنّ القرآن ليس من فعل اللّه ولا هو صفة له في ذاته كما تقول العوامّ ، ولكنّه من أفعال الطبيعة » .
لكنّ أبا الحسين الخيّاط المعتزلي رفض هذه النسبة رفضا باتّا ، قال : اعلم - أرشدك اللّه إلى
هامش
( 1 ) الشعراء 26 : 193 - 195 .
( 2 ) هو : أبو المعتمر معمّر بن عمرو ، وقيل : ابن عبّاد البصري السّلمي المعتزلي . كان بينه وبين النظّام مناظرات ومنازعات . ( سير أعلام النبلاء 10 : 546 / 176 ) .
( 3 ) جاء في مقالات الإسلاميّين للأشعرى ( 1 : 268 ) : « والفرقة الخامسة منهم أصحاب معمّر ، يزعمون أنّ القرآن عرض ، ومحال أن يكون اللّه فعله في الحقيقة ، لأنّهم يحيلون أن تكون الأعراض فعلا للّه . وزعموا أنّ القرآن فعل للمكان الذي يسمع منه ، إن سمع من شجرة فهو فعل لها ، وحيثما سمع فهو فعل للمحلّ الذي حلّ فيه » .