تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الأثري الجامع — صفحة 60

مساهمون:

ص٦٠
الثاني : أن يقول له : اقرأ على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بكذا ، فهذا يلقيه بلفظه الذي كان يتلقّاه ، من غير تبديل . كما كان الملوك يكتبون الرسائل ويرسلونها على أيدي الرسل فيوصلونها من غير تصرّف أو تغيير . قال جلال الدين السيوطي - بعد نقل كلام الجويني - : والقرآن من قبيل الثاني ، كان يتلقّاه جبرائيل بلفظه ويلقيه على النبيّ كما تلقّاه من غير تصرّف فيه ، لا في لفظه ولا في معناه . ولم يجز له إلقاء المعنى فقط . والسرّ في ذلك : أنّ المقصود من القرآن ، التعبّد بلفظه ، وراء التعبّد بالعمل بمعناه . ولأنّه دليل الإعجاز ، فلا يستطيع أحد أن يأتي بلفظ يقوم مقامه ، لا جبرائيل ولا غيره . وأنّ تحت كلّ حرف منه مقاصد لا تحصى ، فلا يقدر أحد أن يأتي بدله بما يشتمل عليها « 1 » . قال الزرقاني : وقد أسفّ بعض الناس فزعم أنّ جبرائيل كان ينزل على النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بمعاني القرآن ، والرسول يعبّر عنها بلغة العرب . وزعم آخرون أنّ اللفظ لجبرائيل وأنّ اللّه كان يوحي إليه المعنى فقط . وكلاهما قول باطل أثيم ، مصادم لصريح الكتاب والسنّة والإجماع ، ولا يساوي قيمة المداد الذي يكتب به . وعقيدتي أنّه مدسوس على المسلمين في كتبهم ، وإلّا فكيف يكون القرآن حينئذ معجزا واللفظ لمحمّد ولجبرائيل ؟ ! ثمّ كيف تصحّ نسبته إلى اللّه واللفظ ليس للّه ؟ ! « 2 » أمّا الآيات التي استند إليها زاعم هذا الرأي ، فلعلّها على عكس مطلوبه أدلّ ! ذلك أنّ المراد بالقلب في الآية هو شخصيّة الرسول الباطنة ، الآهلة لتلقّي الوحي من عند اللّه ، وليس هذا العضو الصنوبري الكامن في الصدور ، حيث إنّ أجهزة الإدراك عندنا لم تعدّ لاستلام هكذا تلقّيات ممّا وراء المادّة ، وإنّما تعمل في إطار محدود . ونظير هذه المحدوديّة في المادّة ، الأمواج اللّاسلكيّة تتلقّاها أجهزة خاصّة بذلك ، تلقّيا بنفس الألفاظ وحتّى الصور والأشكال والألوان من مكان بعيد ، ممّا لا يمكن تلقّيها بهذا الحسّ الظاهري العاديّ . وهكذا النفوس المستعدّة تستأهل لإدراك أمور تعجز الأحاسيس العاديّة عن إدراكها ما دامت على كثافتها الأولى ولم تبلغ لطافتها المتناسبة مع الملأ الأعلى .
هامش
( 1 ) الإتقان 1 : 127 - 128 . ( 2 ) مناهل العرفان 1 : 49 .