الخير - أنّ معمّرا كان يزعم أنّ اللّه هو المكلّم بالقرآن ، وأنّ القرآن قول اللّه كلامه ووحيه وتنزيله ، لا مكلّم له سواه ولا قائل له غيره ، وأنّ القرآن محدث لم يكن ، ثمّ كان « 1 » .
لكن رغم ذلك نجد أنّ بعض المستشرقين الأجانب « 2 » ، وتبعه بعض الكتّاب الإسلاميّين متابعة من غير تحقيق ، ذهب إلى أنّ معمّرا كان يقول بأنّ القرآن ليس من كلامه تعالى ، وأنّ اللّه سبحانه أعطى نبيّه قابليّة أن يصوغ كلاما يفرغ فيه إرادة اللّه التي كان يتلقّاها بالوحي على نفسه .
وهو استنتاج باطل بعد كونه قياسا محضا وليس من صريح كلامه ؛ هذا وقوله تعالى :
وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً
« 3 » يؤكّد على أنّ اللّه تعالى كان يكلّمه بنفس هذا الكلام المعهود . وأنّه على حقيقته وليس عن مجاز أو استعارة . وإلّا لم يصحّ هذا التأكيد ( بالمفعول المطلق ) .
ويحمل قول معمّر على أنّ الكلام المسموع من أيّ شيء إنّما خلقه اللّه فيه ليسمع منه ، لا أنّه صنيع ذلك الشيء ، فإن سمع من الهواء فهو فعل الهواء بمعنى أنّه المحلّ الصادر منه ، وإن كان بخلقه تعالى فيه . وهكذا إذا سمع من شجرة . أمّا الصادر من إنسان مثل النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فهو إلقاء في روعه كملا لفظا ومعنا ، فهو أيضا صنيعه تعالى وليس من صنع النبيّ نفسه .
* * * كما نسبوا إلى ابن كلّاب « 4 » أيضا اعتقاد : أنّ صياغة القرآن ، هي من فعل النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وليست صنعه تعالى « 5 » .
لكنّها نسبة خاطئة ، حيث إنّه ذهب - في معتقده - إلى أنّ كلامه تعالى صفة ذات وهي قديمة قائمة بذاته تعالى . قال : إنّ كلامه قائم به ، كما أنّ العلم قائم به ، والقدرة قائمة به . وهو قديم بعلمه وقدرته . وإنّ الكلام ليس بحروف ولا صوت . ولا ينقسم ولا يتجزّأ ولا يتبعّض ولا يتغاير ، وإنّه معنى واحد قائم باللّه عزّ وجل .
هامش
( 1 ) راجع : كتابه الانتصار : 104 .
( 2 ) هو : « هري أو سترين ولفسين » في كتابه « فلسفة علم الكلام » ترجمة أحمد آرام : 298 و 302 .
( 3 ) النساء 4 : 164 .
( 4 ) هو : عبد اللّه بن كلّاب رأس الفرقة الكلّابيّة من الحشويّة ، قالوا بقدم القرآن باعتباره كلام اللّه ، وأنّ هذا المقروء يغاير كلامه تعالى القديم ويحاكيه ، وليس نفسه .
( 5 ) راجع : مقالات الإسلاميّين 2 : 257 - 258 . والمغني للقاضي عبد الجبّار : 95 - 116 ، باب خلق القرآن . والأصول الخمسة أيضا للقاضي : 527 .