المتعمّقين من أهل الدقّة والنظر « 1 » .
إذن أصبح القرآن في إفاداته موجّها خطابه نحو العموم ، ومراعيا جانب اختلاف المستويات ، بشكل بلاغيّ بديع ، وقد استوفينا الكلام فيه عند البحث عن منهج القرآن في الإفادة والبيان « 2 » ، ولدى الكلام عن إعجازه البياني البليغ . « 3 » .
صياغة القرآن
صياغة القرآن هي صناعة الوحي ، لا يد لغيره في صياغته ، لا في نضد ألفاظه ولا في نظم معانيه ، فكان لفظا ومعنى هو صنيع الوحي المباشر ، لا غير .
ذلك أنّه كلام اللّه - بصريح القرآن « 4 » - ولا ينسب كلام إلى أحد حتّى يكون هو ناظمه ومؤلّفه في صياغة كلام .
سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى
« 5 » .
على أنّه مما قرأه اللّه على النبيّ
إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ . فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ
« 6 » . والقراءة وكذا التلاوة إنّما تنصبّ على الكلام المنتظم ، لا مجرّد إلقاء المعاني .
كما أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كان يقرأ القرآن ويتلوه على أصحابه ، ولا قراءة ولا تلاوة إلّا فيما يحكيه من لفظ وعبارة ، لا مجرّد بيان المعاني ، ليكون اللفظ له ، وإلّا كان كلاما له يتكلّم به ، حكاية للمعاني فحسب .
وفي كثير من تعابير القرآن دلالة واضحة على أنّه من صنيع الوحي ليس غير ، فهناك لفظة « قل » وردت صدر آيات ، ولا يحسن إذا كان من إنشاء النبيّ ومن صياغته . إذ كان يجب عليه حينذاك أن يقول : أمرني ربّي أن أقول .
وهناك الكثير من العتاب والخطاب ، موجّه إلى النبيّ بصيغة خطاب « 7 » ، فلو كان من إنشائه ،
هامش
( 1 ) جامع الأخبار : 116 / 211 - 15 .
( 2 ) راجع : التمهيد 9 : 85 - 98 .
( 3 ) راجع : التمهيد 5 : 407 - 423 .
( 4 )وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ( التوبة 9 : 6 ) . وفي الحديث : « ما آمن بي من فسّر برأيه كلامي » .
( أمالي الصدوق : 55 / 3 - 10 ، المجلس الثاني ) .
( 5 ) الأعلى 87 : 6 .
( 6 ) القيامة 75 : 17 - 18 .
( 7 ) منها قوله تعالى :طه ، ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى( طه 20 : 1 - 2 ) وقوله :وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ( الشورى 42 :
17 ) .