تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الأثري الجامع — صفحة 64

مساهمون:

ص٦٤

أسلوب القرآن

أسلوب القرآن أسلوب خطاب لا أسلوب كتاب ! هناك الفارق كبير بين أسلوب الخطابة وأسلوب الكتابة . فأسلوب الكتابة يستدعي انسجاما والتئاما بين التعابير والجمل والتراكيب ، واتّساقا ظاهرا في نمط البيان . وليكون مركّزا على صلب موضوع البحث ، من غير خروج ولا التفات في صياغة الكلام ، ولا يعتمد سوى القرائن الحافّة المتّصلة ، ليدلّ عليها مساق الكلام . والعمدة : اتّجاه سياقة التعبير نحو عامّة القارئين ، الموجودين والغائبين ومن يأتي على مرّ العصور ، ليكون الغالب على صياغة الجمل والتراكيب الكلاميّة ، أن تكون على نحو القضايا الحقيقيّة ، الجارية مع الأبد ، والشاملة لكلّ من تلبّس بوصف الموضوع على العموم . اللّهم إلّا أن تكون الكتابة شخصيّة في نحو الرسائل المتبادلة بين الناس . أمّا أسلوب الخطابة فيختلف عن ذلك تماما ، حيث المراعى فيه هي حالة المخاطبين المشافهين ممّن شهد المحضر فحسب ، ويجوز الاعتماد على قرائن منفصلة عن الكلام ، تكون حاضرة ومشهودة لدى المشافهين . كما ويكثر في أسلوب الخطابة ، الالتفات والتنقّل والمداورة في لحن البيان ، الأمر الذي لا ينبغي في كتابة العلوم والمعارف على أيّ حال . ففي قوله تعالى - حكاية عن العزيز - :
يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ
« 1 » . مداورة في لحن الخطاب ، تبدو عجيبة ، فهو في كلام واحد ، يوجّه خطابه أوّلا إلى يوسف يستمليه ويسترعي جانبه ، ثمّ إلى زليخا يعاتبها ويوبّخها ، اعتمادا على قرينة المشافهة والخطاب . كما وقد يفاجأ بالكلام عن شخص أو أشخاص لا سابقة لذكرهم في المقال . قوله تعالى :
عَبَسَ وَتَوَلَّى . أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى . وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى
إلى قوله :
وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى . وَهُوَ يَخْشى . فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى
« 2 » . ففي هذه الآيات ملامة وعتاب ، ملامة لمن عبس بوجهه ولوى بجانبه ، عندما جاءه ضرير
هامش
( 1 ) يوسف 12 : 29 . ( 2 ) عبس 80 : 1 - 10 .