تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الأثري الجامع — صفحة 34

مساهمون:

ص٣٤
للضابطة نذكر شرائط ثلاثة : وأوّل شرائط صحّة التأويل : أن يكون على طريقة السّبر والتقسيم بإعفاء الملابسات غير الدخيلة في هدف الكلام الأصل ، وإبقاء ما كان دخيلا في صلب الموضوع ، وبذلك يستخلص ذلك الفحوى العامّ للآية والذي تستهدفه في اتّجاهها العامّ « 1 » . وبذلك تحتفظ المناسبة القريبة بين هذا البطن المستخرج من الكلام وظهره المستفاد حسب ظاهر التنزيل وإلّا كان أجنبيّا عنه ولا دلالة عليه إطلاقا ويكون تحميلا عليه . فكلّ بيان قدّم بعنوان بطن الآية أو تأويلها وكان اعتباطا غير مستخرج بطريقة منطقيّة ، كان من التفسير بالرأي بلا كلام . الشرط الثّاني : رعاية الدقّة الكاملة في معرفة ملابسات الكلام ، أيّها دخيلة في اتّجاه الكلام فتبقى وأيّها غير دخيلة فتعفى ، وهو شرط خطير قلّ من يسترعيه . الشرط الأخير - وهو بيت القصيد وبه تطرد الدخائل على علّاتها أجمع - : أن يصبح هذا الفحوى العامّ المستخرج بعد التمحيص والتحقيق ، بمثابة كبرى كلّيّة لما دلّ عليه ظاهر الكلام ، ويكون البطن المستخلص ( المعنى التأويلي ) كلّيّا منطبقا على ظاهر التنزيل . وبعبارة أخرى : يكون مجموع الظهر والبطن بمنزلة استدلال منطقي ، كان الفحوى العامّ بمثابة كبرى كلّيّة مستندا إليها انطباقا على صغراها التي هي مورد التنزيل . ففي آية السؤال - مثلا - كان مفاد مجموع الكلام : أنّ على المشركين - حيث موضع جهلهم بأصول النبوّات - أن يتساءلوا مع جيرانهم اليهود وهم أهل علم وكتاب . لأنّ على كلّ جاهل أن يراجع العلماء فيما جهله ، وهي قاعدة كلّيّة مقبولة لدى العقل والشرع ، طبّقها اللّه تعالى - في ذكره الحكيم - بشأن مورد تنزيل الآية بالذات . وهذا هو المقصود من توافق التأويل مع التنزيل توافق العامّ مع خاصّه . فلم يكن البطن أجنبيّا عن الظهر بل متناسبا معه ومدلولا عليه بدلالة التزاميّة مطويّة للكلام . وما يعقلها إلّا العالمون .
هامش
( 1 ) مثلا : لم يكن المشركون بما أنّهم مشركون محطّ النظر ، بل بما أنّهم جاهلون . وكذلك لم يكن أهل الكتاب بما أنّهم أهل كتاب محطّ نظر ، بل بما أنّهم أهل علم ودراية بالنسبة إلى ما لا يعرفه المشركون . وأيضا فإنّ مورد السؤال وهو أمر النبوّة وهل تصحّ لبشر ، ملحوظا بالخصوص ، بل كلّ ما لا يعرفه الجاهلون . فيستخلص من ذلك : إنّ الجاهل بأيّ شأن من شؤون الدّين ، فعليه مراجعة ذوي العلم في ذلك .