نعم لا بدّ أن نلحظ مقارنات الآية وملابساتها حسب التنزيل ، فما كان له دخل في صلب رسالتها أبقيناه وما لا دخل له أعفيناه وذلك على طريقة السبر والتقسيم المنطقي « 1 » .
ففي آية السؤال من أهل الذكر « 2 » نرى أنّها نزلت بشأن المشركين لمكان جهالتهم بأصول النبوّات .
لكنّ المشركين بما أنّهم مشركون لا مدخل لهم في الأمر ، وإنّما موضع جهالتهم بالذات . وكذا لم يكن لخصوص مسألة إمكان نبوّة بشر مدخل ، بل كلّ أمر جهلوه سواء من الأصول أم الفروع .
وهكذا الرجوع إلى اليهود ومسائلة أهل الكتاب ، إنّما كان لأجل كونهم أهل علم وعارفين بما يجهله المشركون .
فلو أعفينا تلك الملابسات ، وأخذنا بلبّ الكلام ، لكان المستخرج المستخلص منه : أنّ على كلّ جاهل في أيّ مسألة من المسائل ، أن يراجع العلماء في ذلك . وهذا هو فحوى الآية الشامل وهي رسالة الآية العامّة إلى الملأ من العالمين .
وهكذا في جميع الآيات التي هي بظاهرها نزلت بشأن خاصّ ، لا بدّ أنّ في طيّها رسالة عامّة هي أوسع وأشمل من ظاهر التنزيل وبذلك يخرج القرآن عن كونه معالجة لقضايا خاصّة ترتبط وشؤون أقوام عايشوه . ومن ثمّ فالعبرة ببطن القرآن العامّ لا بظهره الخاصّ .
لكنّ العمدة إحكام طريقة هذا الاستخلاص فلا يكون تحميلا أو تفسيرا بالرأي ! فلا بدّ من ضابط يضبط جميع أطرافه وأن لا يشذّ منه شيء .
ضابطة التأويل
فإذ كان للتفسير ضابطة يجب مراعاتها لئلّا يكون تفسيرا بالرأي ، فأجدر بالتأويل - وهو أفخم شأوا وأخطر جانبا من التفسير - أن تكون له ضابطة تجمع أطرافه وتمنع الدخائل . فرعاية
هامش
( 1 ) برهان « السبر والتقسيم » عبارة عن عدّ جميع المحتملات الممكنة أو المفروضة ، ثمّ يقام الدليل على نفي واحد واحد ، حتّى ينحصر الأمر في واحد منها ليتعيّن كونه العلّة الموجبة للثبوت ، وبذلك يستكشف ملاك الحكم المترتّب على موضوع ذي عناوين متعدّدة .
ومن شرطه ليكون برهانا حقيقيّا ، أن تحصر المحتملات حصرا عقليّا من طريق القسمة الثنائيّة التي تتردّد بين النفي والإثبات . وإلّا فيمكن أن تكون هناك محتملات أخرى وراء هذا المفروض فلا يوجب اليقين . راجع : أصول الفقه للمظفّر 2 : 189 ، الباب 8 ( القياس ) مطبعة النعمان - النجف 1967 م - 1386 ه والمنطق للمظفّر أيضا 1 : 111 و 2 : 132 . مطبعة الزهراء - بغداد 1957 م - 1377 ه .
( 2 ) النحل 16 : 43 .