تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الأثري الجامع — صفحة 289

مساهمون:

ص٢٨٩

نظمها البديع

سورة الحمد ، في نظمها البديع ومحتواها الرفيع ، إرشاد إلى طريقة الابتهال إلى اللّه وعرض الحاجة لديه تعالى . ومن ثمّ فإنّ السورة قد ترتّبت على ثلاث مراحل متلاحقة : أولاها : تمجيد شامل . والثانية : انقطاع تامّ . وفي النهاية : عرض الحاجة الملحّة . فقد كانت المرحلتان الأوليان تمهيدا طبيعيّا لإمكان البلوغ إلى المقاصد المعروضة في المرحلة الأخيرة . تبتدئ بالتحميد والتمجيد على أتمّ النّعم الشاملة : هو ربّ العالمين . ذو رحمة واسعة ورأفة بعباده المخلصين . وفي النهاية هو المالك لأزمّة الأمور يوم الدّين . فهو تحميد على المبدأ والمعاد . ثمّ انقطاع كامل تامّ ، لا معبود سواه ولا مستعان إلّا هو . فلا ملجأ غيره تعالى على الإطلاق . وأخيرا يأتي دور عرض الحاجة : شمول عنايته تعالى لعبده المحتاج إليه طول مسيرته في الحياة ، حتّى يصبح محبوّا بولاية اللّه ومنعما عليه مع زمرة المنعم عليهم ، مجانبا فئة المعتدين الذين غضب اللّه عليهم ، وجماعة المقصّرين الذين ضلّوا الطريق . وهذه المراحل الثلاث قد ترتّبت ترتّبا طبيعيّا ، بحيث كانت كلّ مرحلة تمهيدا للورود إلى المرحلة التالية : فحيث يقع التمجيد بتلك الصورة الشاملة ، يتداعى منه إيجاب ذلك الانقطاع الكامل ، وهذا الانقطاع بدوره يستدعي عرض الحاجة بكلّ خشوع لديه تعالى في نهاية المطاف .