تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الأثري الجامع — صفحة 223

مساهمون:

ص٢٢٣
الشامل لجلّ مسائل الخلاف فضلا عن كلّها ، فكيف العرض ؟ ! وقد اضطربت كلماتهم هنا ، حيث فرضوا المخالفة مع الكتاب إمّا بالتباين أو بالعموم من وجه أو بالعموم المطلق . أمّا الأخير فلا مخالفة ذاتيّا بعد إمكان الجمع عرفيّا بالحمل على التخصيص ، مثاله : قوله تعالى - بشأن المطلّقات - :
وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ
« 1 » ، المخصّص بما ثبت في الشريعة من اختصاص ذلك بالرجعيّات « 2 » . وهكذا المخالفة بالعموم من وجه ، كما في قوله تعالى :
ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ
« 3 » ، مع حديث « لا ضرر ولا ضرار » « 4 » فيما إذا حاول الطبيب معالجة مريض ، لكن فرط منه ما أوجب تلفه أو نقصه ، من غير أن يكون عامدا ، فإنّ الآية تنفي ضمان خسارته ، لكونه محسنا وبصدد معالجته . أمّا حديث « لا ضرر » فيقضي بضمانه ، وإن لم يرتكب إثما . وفي ذلك ينبغي اللجوء إلى ترجيح أحد الظاهرين على الآخر ، إمّا ترجيحا بمقتضى قوّة الدلالة أو بمرجّحات اخر ، وهنا كان الترجيح مع الحديث ، لما ورد مستفيضا من ضمان الطبيب ولو كان حاذقا « 5 » . أمّا المخالفة بالتباين فلا مورد له ، بعد شعور الوضّاعين بعدم رواج أكاذيبهم ما لو كانت المخالفة صريحا مع ظاهر الكتاب . فأين موضع عرض الأحاديث على كتاب اللّه ، ليعرف السقيم منها عن السليم ، بالخلاف أو الوفاق ؟ ! قلت : ليس الأمر كما ظنّ ، إذ لا يعقل أن يكذب أحد على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أو أحد الصادقين عليهم السّلام كذبا صريحا ، بحيث يتخالف مع القرآن أو السنّة القويمة ، بشكل واضح ومبائن علنا ، إذ حيث ذاك تبدو سوأته على ملاء من الناس ويفضح من أساس . لكنّه - عن خبث - يحاول تلبيس الأمر بحيث يمكن تعبيره على العامّة . أمّا الخاصّة فلا تشتبه عليهم التلبيسات ولا يمكن التعبير عليهم ، ما داموا أذكياء نبهاء ، يعرفون مراسي الشريعة ومبانيها القويمة ، ويقفون سدّا منيعا دون رسوب الأباطيل في الدين .
هامش
( 1 ) البقرة 2 : 228 . ( 2 ) راجع : الجواهر 32 : 179 فما بعد . ( 3 ) التوبة 9 : 91 . ( 4 ) مسند أحمد 5 : 327 . ( 5 ) راجع : الوسائل 29 : 260 ، باب 24 ( ضمان الطبيب إذا لم يأخذ البراءة ) .
التفسير الأثري الجامع — صفحة 223 | الشيخ محمد هادي معرفة