تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الأثري الجامع — صفحة 158

مساهمون:

ص١٥٨
قلت : لا شكّ أنّ للأوراد والأذكار تأثيرا في الشفاء عن الأسقام والآلام ، تأثيرا بإذن اللّه تعالى ، الذي هو مسبّب الأسباب في عالم الطبيعة . إذ لا مؤثّر في الوجود إلّا اللّه . والنفس إذا توجّهت بكليّتها إلى مبدأ الإفاضة في الوجود ، اكتسبت روحانيّة ملكوتيّة توجب استعدادها للاستفاضة من بركات الملأ الأعلى المفاضة على سائر الممكنات عبر الآنات . هذا هو العامل الأساسي لهذا التأثير والتأثّر والترابط الوثيق بين عالمي الملك والملكوت .
وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ . فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ
« 1 » . كما لا شكّ أنّنا نعيش في عالم الأسباب والمسبّبات ، من تأثيرات وتأثّرات هي رهن عوامل طبيعيّة واقعة تحت نظام عام حكيم وهي سنّة اللّه التي جرت في الخلق . ولكن هذا لا يعني الاستغناء عن الاستفاضة من عالم الملكوت ، فلا تأثير ولا تأثّر في سنن الطبيعة إلّا وهو بحاجة إلى إذنه تعالى بالإفاضة من جانبه تعالى .
أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ . أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ
« 2 » .
وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ
« 3 » . إذن فتأثير الدعاء في مجال الطبيعة ومجاريها ، هو استعطاف جانب لطفه تعالى في الإفاضة على التأثيرات على الوجه الأصلح في التقدير والتدبير ليجعل من الدواء الناجع شفاء من الداء ورفعا أو دفعا للأسقام والآلام . فلم يكن من شأن الدعاء ، عزل الطبيعة عن التأثير ، كلّا ، وإنّما هو استجلاب لعطفه تعالى أن يمنحها التوفيق في مسيرتها نحو الكمال بسلام . على أنّ الابتهال إلى اللّه ، يزداد الداعي قوّة روحيّة ، تجعله على رجاء دون اليأس ، وتمنحه اطمئنانا نفسيّا دون الاضطراب ، الأمر الذي يجعل من الحياة ذات أمن وراحة ، وكان ملؤها البهجة والحيويّة والسرور .
أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ
« 4 » . لكنّ هناك - للابتهال إلى اللّه بالأدعية والأذكار - شروطا ، أهمّها : العقيدة والإخلاص ، والإيقان بكونه مأثورا ، سواء أفي أصله أم في كيفيّة ورده ، حتّى يكون مشروعا في التوسّل به إلى اللّه تعالى . ذلك أنّ هذه الأدعية والأذكار ، هي الوسائل للبلوغ إلى أعتابه تعالى المقدّسة ، ولا يعرف الطريق إليه تعالى إلّا من قبله ومن تعريفه إيّاه ، إذ لا يعرف السبيل إليه إلّا منه وعلى يد أوليائه العظام .
هامش
( 1 ) الذاريات 51 : 22 . ( 2 ) الواقعة 56 : 64 . ( 3 ) البقرة 2 : 102 . ( 4 ) الرعد 13 : 28 .