تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 1539

مساهمون:

ص١٥٣٩
حامِيَةً »
أي تعذب بنار حامية . . وفي وصف النار بأنها حامية ، إشارة إلى أنها نار ذات صفة خاصة ، على خلاف المعهود من نار الدنيا . . فكل نار ، حامية ، وهذا الوصف الوارد على النار ، يعطى وصفا جديدا لها . وهذه الوجوه أيضا ، تسقى من ماء حار ، يغلى في البطون كغلى الحميم . وإسناد هذه الأفعال إلى الوجوه ، لأن الوجوه ، هي عنوان الذات الإنسانية ، وهي وحدها التي تحدّث عن ذات الإنسان ، وتدل عليه . . فالناس يتشابهون أجسادا ، ولكن الذي يفرق بين إنسان وإنسان هو الوجه الذي يجعل لكل إنسان صورته التي يعرف بها بين الناس . . إن الوجه هو الذات الإنسانية بكل مشخصاتها ومقوماتها ، ولهذا كان له هذا الشأن في موقف الحساب والجزاء ، وما يلقى الإنسان هناك من نعيم أو عذاب ، إن كل صور العذاب والآلام تنطبع عليه . . قوله تعالى :
« لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ * لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ »
. . عدل هنا عن الحديث إلى الوجوه ، واتّجه به إلى أصحابها ، لأن الطعام لا يساق إلى الوجوه وإنما يساق إلى البطون ، ثم تنطبع آثاره على الوجوه . . وفي هذا ما يعطى كل جزء من أجزاء الجسد نصيبه من هذا العذاب . فالعذاب الذي يقع على جزء من الجسد ، يشيع في الجسد كله ، فإذا كان كل جزء من الجسد واقعا تحت لون من ألوان العذاب يتناسب مع طبيعته ، كان ذلك أنكى وآلم ، حيث يتحول الإنسان تحت وطأة هذا العذاب إلى طاقات كثيرة متعددة ، يصبّ فيها العذاب الذي يحتوى كل ذرة فيها ، ولعل هذا من بعض ما يشير إليه قوله تعالى :
« يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ »
( 69 : الفرقان ) .