تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 1116

مساهمون:

ص١١١٦
ومن هنا يتبين أن المكظوم ، « غير الكاظم . . فالكاظم ، هو الذي غلب غيظه وقهره ، وأما المكظوم ، فهو الذي ملكه الغيظ ، وقهره ، وغلبه على أمره . . وعلى هذا ، فإن الذي يحذّر النبي منه ، هو ألا يغلبه الغيظ ، كما غلب يونس عليه السلام ، بل المطلوب منه ، هو أن يكظم غيظه ، وأن يقهره ، وألا يجعل لهذا الغيظ سلطانا عليه ، يحمله على مفارقة قومه ، وإخلاء مكانه فيهم ، كما فعل يونس . . وفي هذا يقول الحق تبارك وتعالى :
« وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ . . وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ »
( 134 : آل عمران ) فقوله تعالى :
« وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ »
أي لا تكن كيونس إذ نادى ربه ، وقد غلبه الغيظ ، وحمله على أن يترك قومه ، وينزل في هذا المكان الضيق ، وهو بطن الحوت . فالذي يحذّر منه النبي ، ليس هو مناداة ربه ، وإنما مناداته في حال يكون قد غلبه فيها غيظه . . فإن دعاء اللّه ، واللّجأ إليه - وإن كان محمودا على كل حال وفي كل حال - إنما يكون في أحمد أحواله ، وأعلى مقاماته ، حين يكون صاحبه متجملا بالصبر على ما أصابه ، ممسكا بزمام نفسه ، ثقة باللّه ، واطمئنانا إليه ، في أشد الأهوال ، وأعظم المحن ، فلا يضيق بمحنة ، ولا يكظم بشدة ، لأنه مسلم أمره إلى للّه ، لا جئ إلى حمى سلطانه . . قوله تعالى : *
« لَوْ لا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ * فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ »
أي أن يونس - عليه السلام - لولا أن أدركته نعمة