تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 1374

مساهمون:

ص١٣٧٤
الإنسانية الذي لم ولن يتحقق لها على هذه الأرض ؟ فما ذا لو وجدت عالما آخر يتحقق لها فيه هذا الحلم البعيد المنال ؟ وأي إنسان يزهد في هذا النعيم إذا أتيح له ، ووجد السبيل إليه ؟ ولا تمدن عينيك هنا إلى أولئك الذين يقال إنهم زهدوا في نعيم الحياة المادية من الفلاسفة والحكماء ، والمتصوفة ، وغيرهم ممن عفّوا ، أو عافوا متعة الجسد ، وراحوا يعيشون على قوت أرواحهم ، وعرائس أفكارهم . . فهؤلاء جميعا - إن صدقت أحوالهم - إنما أقاموا لأنفسهم عالما من الوهم ، والخيال ، تتراقص فيه طيوف رؤاهم وأحلامهم ، بكل ما قصرت عنه أيديهم من متع مادية استبدّ بها غيرهم . . ومن زهد منهم في تلك المتع ، وقد أتيحت له - فإنما لأنه استقصر حياته معها ، أو توقع فرارها من يده ! ولو كان هذا النعيم دائما ، وكان لمن يعيش فيه ضمان بالخلود معه ، لكان الحكماء ، والفلاسفة ، والمتصوفة أكثر الناس طلبا ، وازدحاما على مورده . . ومع هذا ، فإن ما جاء في القرآن الكريم من أوصاف الجنة ونعيمها ، ليس هو كل ما فيها من نعيم ، وإنما ذلك هو معرض من معارضها ، وإشارة دالة على ما وراء هذا النعيم مما لم تره عين ، ولم تسمع به أذن ولا خطر على قلب بشر . . إنه هو الجزء القليل الذي يمكن أن يقع في مفهوم الناس ، وهم في هذا العالم الدنيوي ، حتى يكون للجنة التي يوعدون بها تصور ، وحتى يكون لدعوتهم إليها استجابة . . ولو جاءتهم الجنة غير مألوفة لهم ، لما وقعت من أنفسهم موقعا ، ولما وجدت لها في مشاعرهم ووجداناتهم مكانا . . ولا يقال - كما قيل فعلا - إن هذا النعيم الأخروى ، هو نعيم جسدي ، يشبع أحلام الجوعى والمحرومين ، ويرضى مطالب البيئات الفقيرة
التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 1374 | عبد الكريم الخطيب