من هذا الشراب الطّهور . . فهم إذ يتناولون هذا الشراب من ربهم ، يتناولونه محمّلا بهذه التحية المباركة من المنعم المتفضل عليهم إذ يقال لهم هذا جزاء ما عملتم ، وهو ثمرة ما سعيتم ، إن سعيكم كان مشكورا لكم من ربكم ، وهذه التحية من ربكم هي تحية شكر وحمد لسعيكم .
[ الجنة ونعيمها . . بين الروحي والجسدي ] ونريد هنا أن نقف وقفة قصيرة مع تلك الأوصاف التي ذكرها القرآن الكريم لنعيم الجنة ، والتي تبدو كأنها صورة من النعيم الدنيوي ، بما فيه من ألوان المآكل ، والمشارب ، والدور ، والقصور ، والملابس ، والحلّى ، والأواني والأمتعة ، والجواري والغلمان ، والعيون والأنهار ، والأشجار والثمار ، إلى غير ذلك مما اعتاد الناس في الدنيا أن يروه ، أو يعيشوا فيه . .
وهذا مما دعا بعض الأدعياء أو الأغبياء إلى أن القول بأن هذه الجنة مما يحلم به المحرومون ، ومما يغذّى به الدين هذه الأحلام الجائعة ! ولنسلم - جدلا - من أول الأمر بأن نعيم الجنة هو من هذا النعيم الذي يعرفه الناس في الدنيا ، ويجدّون في طلبه ، ويشقون في تحصيله ، ثم يفوتهم كله ، أو الكثير منه - فأي قصور يلحق هذا النعيم ، وأي مطلب يعوز الذين ينزلون منازل هذه الجنة فيجدون كل ما كانت تشتهى أنفسهم في الدنيا حاضرا بين أيديهم ، لا يتكلفون له جهدا ، ولا يريقون من أجله دما أو عرقا ؟ أهذا نعيم تزهد فيه النفوس ؟ وأهذا مقام يبغى إنسان التحول عنه ؟ ولم إذن استبدت الرغبة في هذا النعيم بنفوس الناس في الدنيا ؟ ولم أفنوا أعمارهم في طلبه ؟ ولم أراقوا دماءهم في سبيله ؟
فلتكن الجنة عالما ماديّا ، ولتكن كلها سوقا حشدت فيه كل ما في هذه الدنيا من متع ولذاذات ومسرات ومباهج ؟ أليس هذا العالم هو حلم
التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 1373
مساهمون: عبد الكريم الخطيب
ص١٣٧٣