ففائدة هذا القسم المنفي أنه يقرر حقيقة ، لا يرى لها وجه ، لو جاء الأمر ابتداء من غير هذا القسم المنفىّ . . فالقسم المنفي هنا يكشف عن حال المواجهين بالقسم ، وأنهم يكذبون بالبديهيات ، ويعاندون في المسلّمات ، وأنه لو كان في التوكيد بالقسم مقنع لهم ، لوقع القسم ، ولكن يستوى عندهم الأمران ، التوكيد وغير التوكيد . . إنهم على أي الحالين لا يؤمنون بما يلقى إليهم من أخبار على لسان النبي ، بما يوحى إليه من ربه .
قوله تعالى :
*
« وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ »
معطوف على يوم القيامة . .
والنفس اللوامة ، هي النفس التي ترجع على صاحبها باللائمة لما يقع منه من إثم ، وما يقترف من ذنب . . وهذا التلويم من شأنه أن يغيّر من وضع الإنسان القائم على الإثم ، والمتجه إلى المنكر . . إنه قوة معارضة لهذا التيار الذي يدفع به إلى المنكر ، وقد يتحول هذا التيار إلى الجهة المضادة لطريق الغواية المتجه إليه . .
وهذا ما يشير إليه قوله تعالى :
« وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ * أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ »
( 60 - 61 :
المؤمنون ) فمع وجل القلوب ، يقع في النفس ما يقع من لوم على ما فرط منها .
وقرنت النفس اللوامة بيوم القيامة ، لأن ثمرة هذا التلويم ، إنما تظهر آثاره يوم القيامة . . فالنفس اللوامة إنما يحملها على التلوم ، الخوف من الآخرة ، ومن لقاء اللّه ، والوقوف بين يديه . . ولولا الإيمان بيوم القيامة لما راجع المرء نفسه فيما أحدث من آثام ، ولما قامت في كيانه تلك النفس اللوامة ، التي تقف منه موقف المحاسب قبل يوم الحساب !