أهو قول مجنون ؟ كلّا فما قائله بمجنون ، ولا فيما يقوله إلّا أحكم المنطق وأصوب القول . .
وهكذا ، تدور الخواطر في نفسه ، وتصطرع الآراء في عقله ، وهو عاجز عن أن يخرج من هذه العاصفة المزمجرة التي احتوته .
« ثُمَّ عَبَسَ »
. . هذه انطباعة من أثر هذا الصراع الدائر في كيانه . .
لقد طرقه خاطر مخيف فردّه بهذا العبوس ، والتجهم . . ولعل هذا الخاطر كان يدعوه إلى أن يستسلم للحق ، ويخرج على قريش معلنا إيمانه بآيات اللّه ، وتصديقه برسول اللّه ! ! ولكن هذا العبوس قد ردّ هذا الخاطر ، وألقى به في عباب الخواطر التي تموج في صدره .
*
« وَبَسَرَ »
أي زاد على العبوس تقطيبا ، وزمّا لفمه ، وتكشيرا عن أنيابه . .
وهذه كلها تكشف عن حركات نفسية ، تغدو وتروح ، وتقبل وتدبر ، في صدر هذا الشقي العنيد ، الذي يموج بهذه المشاعر المتضاربة .
« ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ »
هذه هي الجولة الأخيرة في هذا الصراع الذي كان محتدما في نفسه . . لقد انهزم العقل ، وانتصر الهوى ، وغابت الحكمة ، وحضر الطيش والنزق . . وانتهى الأمر بأن أعطى هذا الشقي العنيد ظهره للحقّ ، وأخذته العزّة بالإثم ، فأبى أن يتبع سبيل المؤمنين .
« فَقالَ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ »
! ! وبدلا من أن يقول : « لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه » . . قال
« إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ »
أي ما هذا الذي يتلوه محمد علينا - ما هو إلا سحر ،