تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 1169

مساهمون:

ص١١٦٩
بالواو محجّبا في جلاله ؛ لا يغشى حماه إلا من يسعى إليه ، ويقف على مشارف حماه ، يخالس النظر إليه ، ويرشف من رحيقه قطرة قطرة . . ولأنى على يقين من أن أي جواب أجيب به عن هذا التساؤل ، لا يمكن أن يقطع النظر عن البحث وراء أسرار هذا العطف ؛ تلك الأسرار التي لا تنفد أبدا ، على كثرة ما يقع منها لأنظار الناظرين فيها . ولهذا ، فإني لا أرى داعية إلى الإمساك عن الإجابة على هذا التساؤل ، بما وقع لي . . ثم إن لغيرى أن يقبل هذه الإجابة ، أو يعدّلها ، أو يبحث عن جديد غيرها . . وإنه لواجد جديدا ، وجديدا . . فأقول : لعل أول ما يبدو من إيثار النظم القرآني العطف بالواو ، هو أن هذا العطف بالواو في هذا المقام ، يتسع لتحقيق المعنى الذي تتحقق به الموافقة للواقع . ذلك أن هذا الترتيب في التخلّي عن الأعزاء ، أو سوقهم إلى ساحة التضحية والفداء ، لا يقع بهذا التحديد على تلك الصورة المعروفة ، التي تقع في الحياة ، حين يكون للمرء فرصة للاختيار ، فيقدم ويؤخر ، فيما يتخلى عنه ، أو يقذف به في وجه العذاب ، واحدا ، بعد واحد . . وكلّا ، فإن شدّة الهول ، ووقدة السعير ، لا يكون المرء معها فرصة للتفكير والاختيار ، وإنما هو يتخلى عنها جميعا مرة واحدة ، ويقذف بها كلها دفعة واحدة ! ! ولكنها - مع هذا الحشد لها - تأخذا هذا الوضع في الترتيب الذي جاء بها عليه النظم القرآني . . والعطف بالواو ، وبالواو وحدها ، هو الذي يحقق هذه الصورة المجتمعة المتفرقة في آن واحد . . وذلك لأن الواو لمطلق الجمع من جهة ، وللترتيب بين المتعاطفين من جهة أخرى ، ثم إنه ليس بين متعاطفيها إمهال ملتزم ، كما يكون ذلك بين المتعاطفين بالفاء ، أو ثم . .
التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 1169 | عبد الكريم الخطيب