تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 78

مساهمون:

ص٧٨
بما هو أولى من جزاء السيئة بسيئة مثلها ، وهو العفو عن المسئ ، وذلك بعد القدرة عليه ، ووقوعه ليد من بغى عليه . . فإن العفو مع القدرة - كما قلنا - هو عقوبة للمعتدى ، ووقعها على النفوس الحية أقسى وأمر من كل عقوبة . . وفي قوله تعالى :
« وَأَصْلَحَ »
- إشارة إلى أن لمن أراد أن يأخذ بالعفو أن يسلك الطريق الذي يراه في هذا المقام ، فله أن يعفو عفوا عامّا ، وأن يعفو عن بعض ، ويأخذ ببعض ، حسب ما يرى من المعفوّ عنه ، ومن الظروف والأحوال المحيطة به . . وفي قوله تعالى :
« إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ »
- إشارة إلى المنتصر بعد ظلمه ، ألا يتجاوز حدود الأخذ بحقه ممن ظلمه ، وإلا كان ظالما ، وانتقل بذلك من مبغىّ عليه إلى باغ ، ومن مظلوم إلى ظالم ، وقد كان اللّه سبحانه نصيرا له ، فأصبح مخذولا من اللّه ، مذموما :
« إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ »
. قوله تعالى :
« وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ »
. هو عرض شارح لقوله تعالى :
« وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها »
. . وهو تحريك أيضا لمشاعر الثورة على البغي ، ودفع لما يجد أهل السلامة والصلاح في صدورهم من حرج في أن ينالوا أحدا بسوء ، حتى ولو كان مسيئا . . وهذا خروج على سنن العدل ، ومجافاة لطبيعة الحياة ، وإطلاق لأيدى السفهاء أن يعيثوا في الأرض فسادا ، وأن يبتلى بهم الأنقياء والأبرار ابتلاء عظيما . . ولهذا جاء الإسلام يقرر هذه الحقيقة ، ويعطى أهله حق الدفاع عن أنفسهم ، بلا بغى أو عدوان ،