تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 79

مساهمون:

ص٧٩
حتى يكون لهم من ذلك وقاية من آفات ذوى الشر والعدوان . . ولقد كانت دعوة المسيح - عليه السلام - إلى اليهود ، أن « من ضربك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر ، ومن نازعك رداءك ، فاخلع له ثوبك أيضا » - كانت تلك الدعوة بلاء من اللّه لليهود ، ونقمة منه سبحانه ، بعد أن بغوا وأفسدوا في الأرض . . وكانت تلك الجرعات المرة القاسية التي قدمها السيد المسيح لهم - هي من بقايا الكئوس المرة القاسية ، التي تجرعها الناس من سموم كيدهم ، ومكرهم ! . فليس ثمة من سبيل ؛ ولا لوم ، على من انتصر من بعد ظلمه ، فانتصف ممن ظلمه . وأخذ بحقه منه . . وإنما السبيل واللوم على من بدأ بالظلم ، وبغى على الناس . . أو على من انتصر من بعد ظلمه ، فجاوز الحد ، وانتهى به ذلك إلى أن يكون من الظالمين الباغين . . فهؤلاء لهم عذاب أليم ، هو قصاص من العدل الإلهى ، ينتصف فيه سبحانه للمظلوم من ظالمه . . قوله تعالى :
« وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ »
. الواو للقسم ، واللام واقعة في جواب القسم . . والإشارة إلى الصبر والمغفرة . أي إن الصبر والمغفرة من عزم الأمور . وعزم الأمور ، هو موجبها ، ولازمها ، الذي هو ملاكها ، الذي تقوم عليه ، بحيث لا يتم لها وضع صحيح إلّا به . . فلكل أمر عزيمة ، هي السبب أو الأسباب الموصلة إليه . . وفي الحديث : « إن اللّه يحب أن تؤتى رخصه كما يحبّ أن تؤتى عزائمه » . . وهي فرائضه ، وما أوجبه اللّه سبحانه على عباده . وفي إسناد عزم الأمور إلى الفاعل ، أي فاعل الصبر والمغفرة ، بدلا من إسناده إلى ذات الصبر والمغفرة - إشارة إلى أن المعوّل عليه في إعطاء القيمة للصبر