تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 453

مساهمون:

ص٤٥٣
وقوله تعالى :
« وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا »
. الجعل ، كما قلنا في أكثر من موضع ، هو إضافة جديدة تدخل على أصل الشيء ، فهو من متعلقات الموجودات ، وليس له هو وجود ذاتي . . فتوزّع الناس إلى شعوب وقبائل ، ليس أمرا ذاتيا ، تتغير به حقيقة الإنسانية في الناس . . إنهم مهما اختلفوا شعوبا وأوطانا ، فإنهم إخوة قرابة ونسبا ، وقوله تعالى :
« لِتَعارَفُوا »
تعليل لهذا التقسيم الذي وقع في محيط الناس ، فكانوا شعوبا وقبائل ، وذلك ليتعارفوا ، وليكون لهم في مجتمع الشعب أو القبيلة ، تماسك وترابط ، لأنهم في هذا المحيط الضيق - نسبيّا - أقدر على أن يتعارفوا ، ويتآخوا ، الأمر الذي لا يقع - إن وقع - إلا باهتا ، لا يكاد يحسّ ، لو أن الإنسان كان فردا في الإنسانية كلها . . فلما جعل اللّه سبحانه وتعالى لنا من أنفسنا أزواجا نسكن إليها ، وأولادا تقرّ بهم أعيننا ، وتصبّ فيهم روافد عواطفنا - جعل اللّه لنا المجتمعات التي ننتمي إليها ، والأمم التي نرتبط بالحياة معها . . وكما أن الأسرة لا تعزلنا عن أمتنا ، ولا تقطعنا عن مجتمعنا ، كذلك ينبغي ألا تعزلنا أمتنا عن الأمم ، ولا يقطعنا مجتمعنا عن المجتمعات الأخرى . . فالاختلاف الواقع بين الناس ، وتمايزهم شعوبا وأمما ، هو في الواقع سبب تعارفهم ، وداعية إلى قيام هذه الوحدات الحية في كيان المجتمع الإنسانى ، الممثلة في الشعوب والأمم . . فهذه الوحدات هي التي غذّت مشاعر العصبية للقومية ، ووثقت من روابط الجماعة التي تضمها وحدة ، من وطن ، أو لغة ، أو دين ، فتعاونت ، وترابطت ، وصارت أشبه بالكيان الواحد . وقوله تعالى :
« إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ »
هو استكمال لوجه القضية
التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 453 | عبد الكريم الخطيب