تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 456

مساهمون:

ص٤٥٦
ويشتغلون بالرعي ، ويتتبعون مواقع الماء والكلأ . . وقد طبعتهم هذه الحياة المتبدّية ، على الجفاء والغلظة ، ومن هنا لم يجد الإسلام طريقه إليهم إلا وسط هذه الأحراش النابتة في صدورهم ، من النّفار والوحشة . . وفي هذا يقول اللّه تعالى :
« الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ »
( 97 : التوبة ) . . وفي المأثور : « من بدا جفا » . . وقوله تعالى :
« قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ »
. . هو تصحيح لما يفهمه الأعراب من الإيمان ، ومن حقائقه التي ضمّ عليها ، فهو ليس كلمة تقال ، وإنما هو عقيدة ، وعمل يقوم في ظل هذه العقيدة وهدبها . . فقول الأعراب « آمنا » بمجرد تلفظهم بشهادة « أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه » هو قول غير صحيح . . إن هذا إسلام ، لا إيمان . . وهم بالتلفظ بالشهادة ، وإقرارهم بالإسلام ، إنما يدخلون في المسلمين ، وتجرى عليهم أحكامهم ، وتعصم بهذا دماؤهم ، وأموالهم ، كما في الحديث الشريف : « أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللّه ، فإن قالوها عصموا منّى دماءهم وأموالهم ، وحسابهم على اللّه » . . فقوله تعالى :
« قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا »
هو ردّ على قول الأعراب آمنا . . وقوله تعالى :
« وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا »
هو بيان للقول الحق الذي يقال في هذا المقام . . فهم مسلمون ، غير مؤمنين . . وقوله تعالى :
« وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ »
هو بيان للعلة التي من أجلها لم يكن الأعراب مؤمنين ، بل كانوا مجرد مسلمين . . لأن الإيمان لم يدخل في قلوبهم بعد ، وأنه ما زال مجرد كلمة تجرى على ألسنتهم . .