فقال - صلوات اللّه وسلامه عليه . . : « أنا عبد اللّه ولن أخالف أمر ربى ولن يضيّعنى » ! فلما تم الصلح ظلت كثير من المشاعر المتضاربة تنخس في صدور المسلمين ، خاصة ، وأن الرسول صلوات اللّه وسلامه عليه ، كان قد تحدث إليهم بأنهم سيدخلون مكة ، وأنه رأى في ذلك رؤيا ، وفيها يقول اللّه تعالى :
« وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ »
. . ويقول اللّه سبحانه في آخر سورة الفتح :
« لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً »
. . فهذه الرؤيا التي رآها الرسول الكريم رؤيا صادقة ، ولكنّ تأويلها لم يكن قد جاء زمنه بعد . . إن المسلمين سيدخلون مكة ، آمنين محلّقين رؤوسهم ومقصرين . . هذا هو مضمون الرؤيا ، أما زمنها فلم تحدده الرؤيا ، وقد عاد المؤمنون من صلح الحديبية ، وهم على عهد مع قريش على دخول البيت الحرام في العام القابل . . أما الفتح القريب الذي أشار إليه قوله تعالى :
« فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً »
فهو فتح خيبر ، التي فتحها النبي بعد منصرفه من الحديبية ، وفي طريق عودته إلى المدينة . .
وصلح الحديبية في يومه الذي وقع فيه ، وقبل أن تتكشف الأحداث التي أعقبته - هذا الصلح هو في ذاته فتح مبين ؛ كما يقول سبحانه وتعالى تعقيبا عليه :
« إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً »
.
وأي فتح أعظم وأظهر من أن يعود النبىّ بالمسلمين إلى البلد الحرام ، وأن يقيموا على مشارفها ، فلا تجرؤ قريش على الخروج للقائهم ، بل تنتظر حتى يدخلها عليهم النبىّ والمسلمون ، وهم الذين أخرجوا النبىّ والمسلمين منها ، وهم الذين تهدّدوا النبىّ والمسلمين ، وجاءوا إلى المدينة بجيوشهم يريدون أن