فالسخرية والاستهزاء ، لا يكون لهما وجود بعمل فردىّ ، وإنما الذي يعطيهما الحياة ، هو المشاركة الصامتة ، أو الناطقة ، ومن هنا كانت كلمة السوء في مجلس من المجالس ، مأثما يحيط بأهل المجلس جميعا ، إن هم سكتوا على كلمة السوء ، ولم يقم فيهم من ينكرها على صاحبها ، ويكبته ويخزيه . .
وفي قوله تعالى :
« أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ »
- وفي وصف العذاب بأنه عذاب مهين لهم ، مذلّ لكبرهم - هو رد على استهزائهم بآيات اللّه ، واستخفافهم بها . .
قوله تعالى :
« مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ ما كَسَبُوا شَيْئاً وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ »
.
أي أن العذاب المهين ، الذي سيأخذ المستهزئين بآيات اللّه ، المستخفّين بها - هو عذاب جهنم ، التي تطلع عليهم وهم في غفلة عنها . . إنها تأنى من وراء تلك الحجب من الضلال التي حجبتهم عن اليوم الآخر ، فلم يروه ، ولم يعملوا على اتقائه ، والفرار منه . .
ثم إن في وصف جهنم بأنها من ورائهم ، وفيما يشير إليه هذا الوصف من غفلتهم عنها - تقريرا للحقيقة الواقعة ، وهي أن جهنم وإن كانت أمامهم ، تنتظرهم على الموعد الذي يلاقونها عنده - فإنها لا تأنى إلا بعد زمن متأخر عن يومهم هذا الذي هم فيه . .
وقوله تعالى :
« وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ ما كَسَبُوا شَيْئاً وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ »
جملة حالية ، تكشف عن تعرية القوم من كل واق يقيهم هذا العذاب الذي يمد يده لاختطافهم ، وهم في غفلة عنه . . !