وسؤال آخر . . وهو : كيف خصصت هذه الليلة بأنها يفرق فيها كل أمر حكيم ؟ وهل يعنى هذا أنها الليلة التي يقضى فيها اللّه سبحانه وتعالى بما يقضى ، ثم لا يكون له سبحانه قضاء في غيرها ؟ وكيف وهو سبحانه يقول :
« كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ؟ »
( 29 : الرحمن ) .
والجواب على هذا - واللّه أعلم - أن هذه الليلة ، كما قلنا ، خاصة بالعالم الأرضي ، وعلى هذا ، فإن ما يقضى به في هذه الليلة من عند اللّه يكون خاصا بهذا العالم ، وبالمخلوقات ، والكائنات الموجودة فيه . . وهذا يعنى أن مقدرات ما يجرى على هذا العالم الأرضي في مدة عام مقبل يفرق ، ويقضى به في هذه الليلة إلى مثلها في العام القادم . . وهذا الذي يقضى وإن كان قد قضى به أزلا ، فإن القضاء به في تلك الليلة معناه نقله من اللوح المحفوظ إلى جند اللّه من الملائكة الموكلين بإنفاذ ما قضى اللّه به . .
وقد كان مما قضى اللّه سبحانه وتعالى في تلك الليلة نزول القرآن ، وبعثة الرسول الكريم ، وذلك في عام البعثة النبوية . . ولهذا جاء قوله تعالى بعد ذلك :
« إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ »
، مشيرا إلى أنه مما قضى اللّه به في عباده أن يبعث في هؤلاء الأميين رسولا منهم ، يتلو عليهم آيات اللّه ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة . . وذلك ليقيم الحجة على عباده ، وليأخذهم بذنوبهم إذا هم عصوا رسله وردوا الهدى الذي يحملونه من اللّه إليهم . . كما يقول سبحانه :
« وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا »
( 15 : الإسراء ) وقوله تعالى :
« رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ »
. . تعليل لبيان الحكمة التي من أجلها يرسل اللّه سبحانه وتعالى الرسل إلى عباده . . فهو سبحانه إنما يرسلهم رحمة منه ، وفضلا وإحسانا . . وإلا فإن مع كل إنسان رسولا يدعوه إلى