ويمضى الرجل المؤمن في عرض رأيه ومشورته ، فيحذّر القوم من أن يقدموا على ما هم عازمون عليه ، في شأن موسى . . فقد يكون الرجل صادقا ، ودلائل الصدق بادية فيما جاءهم به ، وفيما حذرهم به من عذاب اللّه في الآخرة . . فإن هم أنفذوا أمرهم فيه وقتلوه ، أيتخلّى عنه ربه هذا الذي رأينا بعض قوته فيما جاءهم به موسى من عنده ؟ فكيف تكون الحال إذا قتلناه . . وهذا ربه ، وتلك قوته ؟ وهذا ما يشير إليه قوله تعالى على لسان هذا المؤمن :
« يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ . . فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جاءَنا ؟ »
ونعم . . نحن أولو قوة قادرة ، وملك عظيم ، وسلطان ظاهر غالب . . هذا ما نحن فيه الآن . .
ولكن أيكون لنا من كل هذا ما يدفع عنّا بأس هذا الإله القوى ، ويحول بيننا وبين نقمته ؟
هذا رأيي ، وتلك نصيحتى للملك ، كما يقضى بذلك واجب الولاء والإخلاص ، للملك ، وللرعية . . ! ! وهكذا استطاع الرجل المؤمن ، بحكمته وسياسته في كتم إيمانه ، أن يلقى فرعون والملأ من حوله ، بهذا المنطق الرزين الهادئ ، في غلاف رقيق من النصح والمناصحة ! ويطرق الملأ من آل فرعون ، وقد دارت رؤوسهم من هذا المنطق الواضح وما بين يديه من حجة وبرهان . . ثم تتحرك بعد ذلك شفاه ، وتنطلق كلمات ، تعلّق على هذا الحديث ، بين آخذ به ، ورادّ له . . ويدع فرعون القوم يجادل بعضهم بعضا ، ويفنّد بعضهم مقولات بعض . . حتى إذا فرغوا مما عندهم : جاء