ثم ما ذا لو أعلن الرجل المؤمن إيمانه ، ثم جاء إلى فرعون يدعوه إلى الإيمان ؟ أكان شأنه معه إلا كشأن موسى وهارون ؟ بل إن موسى وهارون معهما من آيات اللّه المعجزة القاهرة ما يؤيد دعوتهما . . أما الرجل فلم يكن معه إلا منطق العقل ، وحجة الكلمة . . وهل لفرعون عقل يقبل منطقا ، أو أذن تصغى إلى حجة ؟
لقد كان من تدبير الرجل المؤمن ، وهو رجل سياسة وملك - أن يجلس إلى فرعون المجلس الذي اعتاده منه . . مجلس إبداء الرأي ، وعرض النصيحة ، في معرض تبادل الآراء ، وتقليب وجوهها . . لا أكثر ولا أقلّ . . ومن هنا يكون للرجل أن يقول ما يشاء من آراء ، ويبدي ما يرى من حجج ، وأن يجد لذلك من فرعون أذنا تسمع ، وعقلا يعقل . . وإنه لا بأس على فرعون أن يأخذ بالرأي الذي يخلص به من بين تلك الآراء . . إنه حينئذ يكون هو الذي يعطى الرأي ولا يأخذه ، ويصدر الحكم ، ولا يتلقاه ! ! ومن هنا نجد الرجل المؤمن - بهذا التدبير الحكيم - قد استطاع أن يعرض قضية الإيمان باللّه ، في وضوح وجلاء ، وأن يقدمها إلى فرعون في جو هادئ ، لا تعكر صفوه الأعاصير المحملة برجوم الردع والتحدّى . .
وفي هذا يقول تعالى على لسان الرجل المؤمن :
*
« وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ : أَ تَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ ؟ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ »
.
إن فرعون وملأه يأتمرون بموسى ليقتلوه . وهم يعدّون التهمة التي يأخذونه بها . والتهمة عند فرعون ، أن موسى يريد أن يبدّل دين القوم ، وأن يفسد المجتمع ، بما يثير فيه من فتنة وانقسام وفرقة ، إزاء هذا الدين الجديد . .
وهنا يبدي هذا الرجل المؤمن - وقد كتم إيمانه - يبدي رأيه ، فيقول