وأية جناية جناها موسى ؟ إنه يقول : ربّى اللّه . . هذا دينه الذي يدين به ، ويدعو إليه ، بلا قهر ولا قسر . . فهل هذه الدعوة تستوجب قتله وسفك دمه ؟
لا أرى ذلك . . ! ثم إن هذه القولة التي ينادى بها موسى ، تستند إلى آيات بينات ، قد رأيناها رأى العين ، وقد بطل بها سحر الساحرين . . وهذا يعنى أنها من عند إله قوىّ فوق آلهتنا كلها . . فإذا آمن موسى بهذا الإله ، وتلك حجته القاهرة بين يديه على قوة معبوده الذي يعبده - فهل نستحلّ لذلك دمه ؟
« وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ »
الذي آمن به . . فهو يؤمن بإله له دليله عليه ، ويدعو إلى عبادة إله وضع بين يديه الحجة التي تؤيد دعواه . . فكيف ندينه ، وهو برئ ؟
ثم ما ذا لو تركناه وشأنه ؟ إنه :
« إِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ »
. . إنه يسير في طريق اختاره لنفسه ، فإن يهلك فلن يهلك إلا هو ، وجنايته على نفسه وحده ، لا تصيب أحدا غيره ! . .
ثم - من يدرى ؟ - فقد يكون الرجل صادقا فيما يقول ، وشواهد الصدق بادية فيما نرى . . فما ذا لو انتظرنا ، ثم نظرنا في دعوته هذه ، وعرضناها معرض الدراسة والبحث . . فقد نجد فيها خيرا ، وقد ينكشف لنا منها هدى ونور .
وهل ثمة من بأس علينا إذا وجدنا خيرا فأخذنا بحظنا منه ؟ أو رأينا هدى ونورا فاتجهنا نحو هذا الهدى والنور ؟
« وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ »
.
إنه لا بأس إذن من أن ندع موسى ، ولا نعرض لقتله وسفك دمه ، سواء أخذنا بما يدعو به أو لم نأخذ . . فلندعه يمضى في طريقه ، فإن كان كاذبا مدّعيا فإنه لن يفلح أبدا . . فما كان الكذب مركبا إلا إلى البلاء وسوء المصير . .
فكيف إذا كان يكذب على اللّه الذي يقول إنه رسول من عنده ؟
« إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ »
. .