في وسط هذا الظلام المتراكم من الكفر ، ومن خلال هذا الدخان المتصاعد من معاقل الضلال ، ومواقع الشرك - تشرق الأرض بنور ربها ، وفي سنا هذا النور القدسي يؤذّن مؤذّن الحق ، بين ظلام هذا الكفر المتراكم ، ودخان هذا الضلال المتصاعد ، داعيا هؤلاء الغرقى في بحار الكفر والضلال :
*
« يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً . . إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ »
.
إن الغرقى إذ يسمعون هذا النداء الكريم ليرون بأعينهم رأى العين ، مراكب النجاة تخفّ إليهم من كل جهة ، وليس عليهم إلا أن يتعلقوا بها ، ويشدوا أيديهم عليها ، لتحملهم إلى شاطئ النجاة والسلامة . .
ولكن ما أكثر الذين يرون الخير ولا يتجهون إليه ، ويشهدون النور ولا يفتحون أعينهم عليه . . وفي ابن نوح مثل يشهد لهذا ، فقد كان يرى بعينيه الطوفان يهجم عليه ، ويكاد يبتلعه فيمن ابتلع من الضالين والغاوين ، وأبوه يناديه : يا بنىّ اركب معنا ولا تكن مع الكافرين . . فيأبى إلا أن يركب رأسه ، ويلقى بيده إلى التهلكة ! وهؤلاء هم أبناء نوح ، يناديهم ربّ العزّة هذا النداء الرحيم : « يا عبادي » .
ويضيفهم سبحانه وتعالى إليه إضافة رحمة ورعاية ، وإحسان ، تعلو على إضافة الأبناء إلى الآباء ، حنانا ورحمة وإحسانا . .
وهؤلاء الذين ينادون من ربهم هذا النداء الرحيم الكريم ، ويضافون إلى عزته وجلاله إضافة الرحمة والإكرام - هم العصاة ، الخارجون على حدود اللّه ، المعتدون على حرماته ، الجاحدون لنعمه . .