التفسير :
قوله تعالى :
*
« تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ »
.
هو جواب عن سؤال أو أسئلة كثيرة ، كانت تدور في رؤوس المشركين وتجرى على ألسنتهم : من أين جاء محمد بهذا الذي يحدثنا به ؟ ومن علّمه هذا ؟
ومن أي الكتب أخذه ؟ إلى غير ذلك مما كانوا يحدثون به أنفسهم ، ويتحدث به بعضهم إلى بعض في شأن القرآن . . وقد جاء في آخر السورة السابقة « ص » ما يجيب - إجابة غير مباشرة - عن تلك الأسئلة ، فقال تعالى على لسان نبيه الكريم :
« ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ »
. . ثم جاء بعد هذا من آيات اللّه ، ما يحدّث عن هذا الاختصام ، الأمر الذي يقطع بأن النبىّ على صلة بالملإ الأعلى ، حتى يكون له أن يأتي ببعض ما يقع هناك من أمور . .
وهنا في قوله تعالى :
« تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ »
إجابة مباشرة عن تلك الأسئلة التي يسألها المشركون عن المصدر الذي جاء منه القرآن . . وإذ كان سؤالهم أو أسئلتهم ، تنحصر في هذا المحتوى : من أين هذا الكتاب ؟ فكان الجواب : من اللّه العزيز الحكيم تنزيله . .
وقد جاء النظم القرآني هكذا :
« تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ »
بتقديم الجهة التي نزل منها على الذات التي أنزلته - إشارة إلى أنه صادر من جهة عالية ، وأنه ليس مما على هذه الأرض ، وما فيها من جهات وذوات . . وبهذا ينعزل القرآن عن أن يكون من العالم الأرضي . إنه نور خالص ، لمن نظر فيه ، والسماء هي مصدر كل نور على هذه الأرض . . فإذا تقرر ذلك ، كان البحث في طبيعة هذا النور ، وهل هو نور إلهي ، أم من ذلك النور الذي تشعّه