تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 1033

مساهمون:

ص١٠٣٣
ليس شرّا خالصا ، وأنه يشتمل على قدر كبير من الخير ، وأنه كما في الناس الأشرار الذين يغلب شرّهم خيرهم ، ويغتال ما فيهم من فطرة ، فإن في الناس من يغلب خيرهم شرّهم ، وأنهم مستعدون لتلقّى الخير . . وفي هذا إشارة أيضا إلى أنه ليس كلّ النّاس على شاكلة هؤلاء المشركين من قريش ، الذين جمدت عقولهم على هذا الضلال الذي أمسك بها . . ثم إن في هذا إشارة ثالثة إلى أنه ليس للرسول أن تقوم له الحجة على قومه ، إلا بعد أن يبلغ رسالته إليهم كاملة ، وأن يحتمل في سبيلها كلّ جهد ، وأن يبذل لها كل قدرة ممكنة لديه ، وإلا كان في موضع اللوم والعتب ، كما أن المرسل إليهم يكونون تحت طائلة اللوم والعقاب ، لو أنهم دعوا وأبوا أن يستجيبوا . . وهكذا يسوّى حساب الناس عند اللّه . كلّ يأخذ حقّه كاملا ، يستوى في هذا الحساب ، الرسل ومن أرسلوا إليهم . . إنهم جميعا عباد اللّه . . وإنه لا محاباة ولا مجاملة . ولا شك أن هذه اللّفتة السماوية إلى الإنسان - من حيث هو إنسان - جديرة بأن تفتح عيونا أعماها الضّلال ، إلى ما للّه سبحانه على الإنسان من فضل وإحسان ، وأنه لن تخفّ موازينه عند اللّه - حتى مع أنبيائه وسفرائه إلى خلقه - إلا إذا استخفّ الإنسان بميزانه ، واستهان بوجوده ، وقبل أن ينزل راضيا ، عن هذا المقام الكريم الذي أحلّه اللّه فيه ، فزهد في عقله ، وأبى أن يوجهه ليرتاد له مواقع الخير . فهل وقف المشركون من قريش ، وغير قريش ، عند هذا ؟ وهل أخذوا بحقّهم الإنسانى في هذا الوجود ؟ وهل هم مستعدّون لأن يثبتوا أنهم أهل لهذا المقام الكريم ، الذي سوّى اللّه سبحانه وتعالى فيه بين عباد اللّه ، وبين رسل اللّه ، في موقف الحساب والمساءلة ؟ ذلك ما يكشف عنه الزمن منهم ، وذلك ما ينجلى عنه الموقف بينهم وبين هذا الرسول الكريم الذي لا يزال معهم .