فيه غير الضلال والظلام . . فيمينهم وشمالهم مغلق عليهم أبدا بحكم هذا الطوق الذي طوقوا به . . وأمامهم وخلفهم . . مسدودان . . فإذا أداروا وجوههم إلى أي اتجاه ، لم يتغير حالهم ، ولم يرتفع عنهم سد من هذه السدود المضروبة عليهم ، حيث يلازمهم هذان السدان المضروبان عليهم من أمام ومن خلف . . فعلى أي اتجاه يكونون ، يكون السدان من خلفهم ومن أمامهم . . أما عن أيمانهم وعن شمائلهم ، فالطوق قائم بوظيفته فيهم في كل حال . .
وهذه الصورة إعجاز من إعجاز القرآن ، في تجسيد المعاني ، وفي بعث الحياة ، والحركة في الجمادات والساكنات . . حيث نرى الكافر هنا وقد أدخل في سجن محكم ، مطبق عليه ، لا يرى منه النور أبدا .
- وفي قوله تعالى :
« فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ »
إشارة إلى ما يقع لهؤلاء المشركين من هذه الآيات التي سلطها اللّه عليهم ، من الأغلال والسدود ، فلقد أقامت هذه الآفات غشاوة على عيونهم ، فهم لا يبصرون . . وكيف يبصر من عاش في هذه الحدود التي لا تتجاوز محيط جسده ؟ وما ذا يبصر لو كان له أن يبصر ؟ .
قوله تعالى :
« وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ »
وهذا ما يقضى به الوضع الذي عليه هؤلاء المشركون . . إنهم لن يتحولوا عن حالهم التي هم فيها ، فلقد جمدوا على حالتهم تلك ، كما تحنط الموتى في توابيتها
« وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ »
( 101 يونس ) . . وإذا فلا يقف النبي كثيرا عن هؤلاء المشركين الذين وقفوا من الدعوة هذا الموقف المحادّ لها ، المتربص بها . .
قوله تعالى :
« إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ »
أي إنما تنفع النذر ، والعظات ، من استمع إلى آيات اللّه ، فاتبعها ، وآمن