تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 829

مساهمون:

ص٨٢٩
المترف : هو من أبطرته النعمة حتى خرجت به عن حد الاعتدال ، وأفسدته ، وقتلت فيه معاني الإنسانية . . والمترفون هم آفة المجتمع في كل أمة ، وفي كل جيل ، إذ فيهم ينشأ الفسق ، والمجون ، وكل ما من شأنه أن يغذى العواطف الخسيسة ، ويوقفا الغرائز البهيمية ، على حساب المطالب الروحية والعقلية . . فليس الغنى في ذاته - كما يبدو - هو الذي يفسد الأخلاق ، وإنما شأنه في هذا شأن الفقر ، قد يفسد ، وقد يصلح . . إنه خير وشر . . وداء ودواء . . فمن أحسن سياسة المال ، وعرف قدره ، والمكان الذي يوضع فيه - صلح به أمره ، واستقام به شأنه . . ومن اتخذ من المال وسيلة يصطاد بها ما توسوس به نفسه ، وما يدعوه إليه هواه - فسد كيانه ، وتهدم بنيانه ، وتحول إلى كومة متضخمة من الشحم واللحم . تهب منها كل ربح خبيثة ، تفسد المجتمع وتزعجه ! وحين تنجم دعوة من دعوات الخير ، يكون المترفون هم أول من يلقونها بالنكير ، ويرجمونها بكل ما يقدرون عليه . . وما جاء رسول من رسل اللّه يدعو قومه إلى الهدى ، حتى يتصدى له المترفون من قومه ، يعلنون الحرب عليه ، ويجمعون الجموع للوقوف معهم في وجهه . . واللّه سبحانه وتعالى يقول :
« وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً »
قوله تعالى :
« وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ »
. . هذا هو ردّ المترفين على كل دعوة إلى الإيمان باللّه ، وتلك هي حجتهم عند أنفسهم وعند الناس . . إنهم بما يملكون من كثرة في الأموال ، وما عندهم من كثرة في الأولاد والرجال ، لن يكونوا تابعين لغيرهم ، ولن يجعلوا لأحد كلمة عندهم ، حتى ولو كان