تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 788

مساهمون:

ص٧٨٨
الهدهد بخبرها . . فلو كان ملك سليمان مما يتسع لجريان الريح شهرا فيه ، لكان ذلك ملكا يسع معظم العالم كله ، ولكانت سبأ داخلة في سلطان هذا الملك ، من باب أولى . . وقوله تعالى :
« وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ »
أي النحاس . . والنحاس أشد من الحديد إباء على النار . . فهو يحتاج في صهره إلى قوة حرارية أكثر مما يحتاج إليه الحديد . . وإذا كان داود قد عرف كيف يليّن الحديد ، فإن سنة التطور تقضى بأن يتعرف ابنه سليمان على القوة الحرارية التي يتمكن بها من إلانة النحاس وصهره . . ! والتعبير عن الحديد بالإلانة في قوله تعالى :
« وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ »
، وعن النحاس بالسيولة - في قوله تعالى :
« وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ »
- إشارة إلى اختلاف طبيعتي كلّ من الحديد والنحاس ، وأن الحد يمكن تشكيله بالطرق إذا سخن ولان . . أما النحاس ، فلا ينتفع به حتى ينصهر ، ويتحول إلى مادة أقرب ما تكون إلى السوائل . . وهذا ما نجده في قوله تعالى على لسان ذي القرنين .
« آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذا جَعَلَهُ ناراً قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً »
. . فالحديد هنا قد عرض على النار حتى احمر وصار أشبه بالجمر . . ثم جاء بالقطر - وهو النحاس الذائب - فأفرغه على هذا الحديد ، وصبّه فوقه ، كما يصب الماء على النار ! ! وعين القطر ، هو الخالص منه . . فهو نحاس خالص ، لم يختلط بشيء ، مما يسمى « الشّبه » أي شبه النحاس . . وقوله تعالى :
« وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ »
أي وسخرنا له من الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ، ويستجيب لأمره من غير مراجعة .