تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 768

مساهمون:

ص٧٦٨
الإنسان في جنسه كله ، وإنما هو واقع على من خان الأمانة من بنى الإنسان ، ونزل عن هذا المقام الرفيع الذي له في الكائنات ، وبهذا استحق أن يوصف بأنه « ظلوم » أي عظيم الظلم ، لأنه ظلم نفسه ، فلم يقدرها قدرها ، ولم يحفظ عليها مكانتها . . وإنه ليس أظلم ممن يظلم نفسه ، ويبخسها حقها ، وهو « جهول » لأنه لم يعرف قدر نفسه ، ولم يحتفظ بهذا السلطان الذي له في هذا العالم . . ومن جهل نفسه فهو أجهل الجاهلين . . فوصف الإنسان بأنه ظلوم جهول ، هو في الواقع إشارة إلى تلك الخسارة العظيمة ، التي خسرها الإنسان بتضييع الأمانة التي كانت بين يديه ، والتي حين تخلّى عنها فقد كلّ شئ ، ونزل من القمة إلى القاع . . وهذا أسلوب من أساليب البلاغة في إظهار عظمة الشيء ، بذم من فرط فيه وقصر في حفظه ، وحراسته . . كما يقال عن إنسان كانت بين يديه فرصة عظيمة مسعدة ، فأضاعها بإهماله وتواكله ، فلا يجد إلا من يلوم ويقرّع بمثل هذه الكلمات : غبي ! ! حيوان ! جاهل ! . . وعلى هذا لا يكون قوله تعالى :
« إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا »
- لا يكون تعقيبا على قوله تعالى :
« وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ »
. . وإنما هو تعقيب على محذوف ، تقديره وحملها الإنسان فلم يحسن حملها ، ولم يؤدها على وجهها . . وإنه بهذا التقصير كان ظلوما جهولا . . هذا هو ما اطمأن إليه القلب ، واستراحت له النفس ، في فهم الآية الكريمة . . وهناك مقولات كثيرة في كتب التفسير في هذا المقام ، وهي على كثرتها وتضاربها ، لا تخلو من فائدة لمن ينظر فيها . .
التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 768 | عبد الكريم الخطيب