تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 765

مساهمون:

ص٧٦٥
نقول - واللّه أعلم - ليس معناه الرفض ، عصيانا وخلافا . . وإنما معناه عدم موافقة طبيعة هذه العوالم لقبول هذا الأمر المعروض عليها . . فهو إباء عجز وقصور ، كما عجز الملائكة عن قبول العرض في التعرف على أسماء الأشياء المعروضة عليهم . . وهكذا إذا اجتمع أمران لا توافق بينهما ، ثم أريد اجتماعهما وتآلفهما من غير إرادة قاهرة - لم يجتمعا ، ولم يأتلفا . . وهذا ما يشير إليه الشاعر في قوله :
أبت الروادف والثّدىّ لقمصها * مسّ الظهور وأن تمسّ بطونا
فهو إباء محكوم بالطبيعة ، لا دخل للإرادة ، أو التصنع فيه . . فحسن أن يشبه هذا الواقع منها بأنه إباء وامتناع . وثالثا : إشفاق السماوات والأرض والجبال من حمل الأمانة . . فهل هذا الإشفاق عن شعور وإحساس ، وإدراك لفداحة الأمر وخطره ؟ وإذا كان ذلك كذلك ، فهناك إذن إدراك ! وإذا كان إدراك لم يكن الإباء عن حمل الأمانة ، إلا عصيانا وخلافا . . فكيف هذا ؟ . الجواب - واللّه أعلم - أن هذا الإشفاق ليس عن إدراك وتقدير ، وإنما هو - حركة يقابل بها الكائن - أي كائن من حيوان أو - جماد - ما يدخل عليه من شئ غريب يخرج به عن طبيعته التي أقام اللّه سبحانه وتعالى عليها وجوده . . فالمشفق من الشيء ينفر منه ، وينقبض عنه . . وهذا - واللّه أعلم - هو السر في التعبير القرآني :
« وَأَشْفَقْنَ مِنْها »
بدلا من « خفن منها » لأن الخائف مضطر إلى أن يتحرك ، ويبتعد عن مصدر الخطر الذي يتهدد وجوده ، بخلاف المشفق ، إذ لا خطر يتهدده . . إنه أشبه بحلم مزعج من أحلام اليقظة ! .