تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 763

مساهمون:

ص٧٦٣
أَمْشاجٍ . . نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً »
أي لأجل أن نبتليه جعلناه سميعا بصيرا ، أي يسمع بعقل ، ويبصر بإدراك ، وهذا هو السر في العدول عن سامع ومبصر ، إلى صيغة المبالغة
« سَمِيعاً بَصِيراً »
. والإنسان - بهذا العقل المدرك المميز للأشياء - سلطان على نفسه ، مالك التصرف كيف شاء . . فله أن يؤمن أو يكفر ، وله أن يطيع أو يعصى ، وله أن يتقدم أو يتأخر . . وليس هذا شأن الكائنات الأخرى ، حتى الملائكة - إنها جميعها على وجه واحد ، لا تستطيع ، بل لا تحاول أصلا ، أن تخرج عن هذا الوجه الذي أقامه اللّه عليها . . وهذا ما يشير إليه قوله تعالى :
« ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً . . قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ »
. . ( 11 : فصلت ) إن اللّه سبحانه وتعالى يعرض الأمانة هنا على السماوات والأرض . . وإنه سبحانه يدعوهما إلى أن يمتثلا أمره . . إما طوعا ، وإما كرها . . والطوع ، هو التسليم المطلق منها لأمر اللّه . . والكره هو أن يكون لهما الخيار في إمضاء مشيئة اللّه فيهما ، وهذا الخيار لا يصير بهما آخر الأمر إلا إلى حيث أراد اللّه فهو خيار في ظاهره ، إكراه في باطنه ، فهي مكرهة في صورة طائعة . . وقد أبت السماء والأرض قبول الأمانة . . فقالتا :
« أَتَيْنا طائِعِينَ »
أي مستسلمين ، لا إرادة لنا مع إرادة اللّه ، ولا اتجاه لنا إلى غير ما أقامنا اللّه عليه . . أما الإنسان ، الذي حمل الأمانة ، فهو - كما يبدو في ظاهره - عالم ، مريد ، يعمل بعلمه ، وبإرادته . . وهما صفتان من صفات اللّه سبحانه وتعالى ، استحق بهما أن يكون خليفة للّه في الأرض . . الأمر الذي لم تنله الملائكة حين قالوا :
« أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ »
وقد ردّهم اللّه سبحانه بقوله :
« إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ »
.
التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 763 | عبد الكريم الخطيب