تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 387

مساهمون:

ص٣٨٧
من إيتاء اللّه سبحانه وتعالى الكتاب والحكم والنبوة ، للكثير ممن اصطفى من عباده . . وردّنا على هذا : أولا : أن هذا لا يدفع أن يكون اللّه سبحانه وتعالى قد ابتدأ قارون بهذه النعمة ، وأولاه هذا الإحسان . . ثم كان منه هذا الكفران باللّه ، والجحود لفضله عليه ، واللّه سبحانه وتعالى يقول :
« وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ »
( 175 - 176 : الأعراف ) . وثانيا : أن قول قارون :
« إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي »
- هو دعوى يدّعيها ، ويبرر بها إضافة هذا المال إلى كسبه بوسائله ، تلك الوسائل التي أشرنا إليها . . فهو - في تقديره - كان يحسب أن هذه الوسائل هي التي جلبت له هذا الثراء العريض ، وهذه الوسائل - في تقديره - هي علم يحسنه وحده ، ولا يحسنه غيره . . وهذا لا يمنع من أن تكون تلك الوسائل في ذاتها غير فاعلة ، وإن بدا في الظاهر أنها هي التي يردّ إليها هذا الذي اجتمع في يديه من مال . . وأن هناك أسبابا خفية ، هي التي جلبت له هذا الثراء ، على غير تقدير منه . وثالثا : قد يسند الإيتاء إلى اللّه سبحانه وتعالى للنقمة في ثوب النعمة ، كما قال تعالى :
« وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها »
( 59 : الإسراء ) . . فالذي آتاه اللّه ثمود هنا - وهو الناقة - كان بلاء وهلاكا . ورابعا : أن إسناد هذا الفعل للّه ، إنما هو من مقولة القوم ، الذين ينظرون إلى هذا المال الذي اجتمع ليد « قارون » كما ينظرون إلى كل شئ يناله الإنسان في هذه الدنيا ، وهو أنه من عند اللّه . . إذ كان القوم مؤمنين باللّه ، وقولهم هذا هو على ما جرت به عادة المؤمنين ، من إضافة كل شئ