مُسْلِمِينَ »
. . أراد أن يلفت الملأ إلى تلك المعجزة القاهرة التي سيظهرها اللّه على يديه . . فدعا من عنده قوة منهم ، أن يتصدى لهذا الامتحان ، وأن يأتيه بالعرش . . وكان العفريت من الجن ، هو الذي ندب نفسه لامتثال هذا الأمر ، فقال :
« أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ »
. . وكان هذا آخر ما في جهد الملأ من إنس وجن وطير أن تفعله . . وهنا واجه سليمان هذه القوة التي أذهلت الجمع بما مكن اللّه له من قوة ، وما آتاه من علم ، فقال مخاطبا صاحب القوة الخارقة :
« أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ »
. ، فهذا الخطاب للعفريت ، هو خطاب للجماعة كلها في شخصه ، إذ كان هو ممثل أقوى قوة بين يديها .
وثانيا : أن اللّه سبحانه وتعالى ذكر في آية سابقة أنه آتى داود وسليمان علما ، فقال تعالى :
« وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً . . »
فبهذا العلم فعل سليمان ما فعل ، وبهذا العلم اتصل سليمان بالعوالم الأخرى ، فعرف لغة الطير ، وسمع همس النملة ، واطلع على ما يجرى في محيطها .
وثالثا : قوله تعالى على لسان سليمان :
« فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَ أَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ »
، هو إقرار بفضل اللّه عليه ، أن آتاه هذا العلم ، الذي صنع به هذه المعجزة ! أما الكتاب ، فهو كتاب اللّه ، وهو ما في اللوح المحفوظ من خزائن علمه . . فمن هذا العلم يتلقى أهل العلم علمهم :
« وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ »
. .
وفي هذه الحادثة يتجلى فضل العلم ، وما يبلغ به أهله من مقامات عالية ، تتخاضع بين يديها كل قوة ، يذل لها كل سلطان . إذا كان هذا العلم من