« اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ما ذا يَرْجِعُونَ »
.
وإلى هنا ينتهى دور الهدهد في القصة ، ويغرب وجهه الذي كان منذ لحظات ، الوجه الذي تعلقت به أنظار مملكة سليمان كلها ، فلا يرى له أحد وجها ، بعد هذا ! ! ولا تتعرض القصة لشئ من رحلة الهدهد إلى سبأ ، يحمل كتاب سليمان إلى القوم ، كما لا تذكر شيئا عن ملكة سبأ ، وهي تجد كتاب سليمان بين يديها ، وما وقع في روعها من هذا الأمر العجيب ، الذي طلع عليها من حيث لا تدرى ! كما لم يذكر القرآن ما كان بينها وبين أهل سرها من حديث في هذا الحدث العظيم . . كل ذلك لم تعرض له القصة القرآنية ، فتلك أمور مقدر لها أن تقع حتما ، على صورة أو أكثر من صورة . . وفي هذا الفراغ يتحرك ذهن القارئ ، وتستيقظ مشاعره ، حيث يرى لزاما عليه أن يملأ هذا الفراغ بأية صورة يجدها مناسبة لهذا المكان ، وبهذا يتاح للناس - في كل زمان ومكان - أن يتصوروا ويتخيلوا ، وأن يشاركوا بهذا التصور والتخيل ، في بناء القصة ، وألا يظلوا في عزلة عنها ، غرباء عن مجريات أحداثها . . وبهذا تتقيد الخواطر بالقصة ، وتتفتح لها المشاعر ، ويستيقظ لها الوجدان ، الأمر الذي تتكشف به مواقع العبرة والعظة منها . .
وتنتقل القصة إلى مشهد جديد . .
فهذه ملكة سبأ ، قد دعت إليها وجوه القوم في مملكتها ، ثم ها هي ذي تطلع عليهم بهذا الكتاب الذي ألقى إليها ، وتفضى إليهم بما فيه ! .
« قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ »
.