تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 236

مساهمون:

ص٢٣٦
الأثر المباشر لهذا ، هو ضمور شخصية الإنسان ، وصغاره ، وضآلة شأنه بين عوالم الوجود . . وليست هذه النظرات المتشائمة ، التي قامت عليها هذه المذاهب المادية السوداء ، التي يعيش فيها الغرب اليوم - ليست إلا أثرا من آثار هذه الكشوف العلمية ، التي ألقت أضواء خافتة على أسرار هذا الوجود ، فظهر الإنسان في شعاعاتها المضطربة المتراقصة ، كأنه حشرة حقيرة ، أو دودة هزيلة ، أو قرد خلقه اللّه ليتسلى به في أبديته الطويلة المملة ، كما يقول كبير الفلاسفة « نيتشة » ! . ونعود إلى القصة ! فهذا سليمان ، يلقى الهدهد ، بعد أن تلقى منه هذا الدرس القاسي - يلقاه بشيء من اللطف والموادعة ، فيقول له : « سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين » . وسليمان يعلم أن الهدهد صادق فيما جاء به من ألباء ! ومن أين تعرف الطيور الكذب ، وليس بينها وبين الإنسان قرابة أو نسب ؟ « سليمان » ، يعلم أن الهدهد شهد بما علم ، وتحدث بما رأى ، ولكن سلطان الملك تخرج كبرياؤه إن هو تعرّى أمام الرعية . . فكان من السياسة أن يلقاه بهذا القول الذي ينبئ عن أن سليمان ما زال هو صاحب الدولة والسلطان . . « سننظر ! ! » . . إنها كلمة صاحب الأمر ، وقاموس أرباب السلطان ! وفيم سينظر ؟ إنه سينظر في أمر هذا « الهدهد » . . أصدق فيما يقول . . أم كان من الكاذبين ؟ ! إنها كلمة جارحة ، تكلم فؤاد هذا « المخلوق » . .
التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 236 | عبد الكريم الخطيب