هذا السلطان الحكيم ؟ وهل تنال رعيته مثل هذا العطف والحنو الذي تناله جماعة النمل من ملكتها ؟ إن مقاييس الحكمة والرشاد لا تقاس بالكم ولا تحسب بالعدد . . ومتى كانت المعاني كمّا وعددا ؟
والعجب أن مشيخة المفسّرين يدعون مثل هذه المعاني الدقيقة ، التي جاءت هذه القصة وأمثالها لها ، من حيث الوقوف على مواقع العبرة والعظة فيها ، ثم يشغلون أنفسهم ، ويشغلون الناس معهم ، بالبحث عن النملة ، وهل هي ذكر أم أنثى ، وعن الموضع الذي كانت فيه مملكتها ، واسم الوادي الذي قامت فيه تلك المملكة . . ثم اسم النملة ! ! إي واللّه اسم النملة ! ! حتى لكأنها لا تكون نملة إلا إذا حملت اسما لها ، وحتى لا يكون منها هذا التدبير لمملكتها إلا إذا كانت من ذوات الأسماء ! ! ثم ما أكثر الأسماء التي تجلب لها من كل واد من أودية الخيال . .
فمن أسمائها « حرس » وأنها من قبيلة بنى الشّيصان ، وأنها كانت عرجاء ، وكانت في حجم الذئب . . وقد لسب هذا القول إلى الحسن البصري ! ومن أسمائها « طاخية » و « منذرة » ! وهكذا تكثر لها الأسماء والصفات ، حتى لتخرج عن أن تكون نملة من هذه النّمال التي يعرفها النّاس ، وحتى ليخرج بها ذلك عن أن تكون موضعا للعبرة والعظة ! !
الآيات : ( 20 - 27 ) [ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 20 إلى 27 ]
وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ ( 20 ) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ( 21 ) فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ ( 22 ) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ ( 23 ) وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ ( 24 )
أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ ( 25 ) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ( 26 ) قالَ سَنَنْظُرُ أَ صَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ ( 27 )