ما يريدون ؟ ألا سأل سليمان عن الهدهد أولا ، وطلب إلى بعض جنده أن يأتوه بالخبر اليقين عنه ؟ ألا اطمأن إلى سلامته قبل أن يسأل عن تأخره عن أخذ مكانه في هذا الحشد ؟ وما ذا يغنى الهدهد في هذا الجمع العظيم ؟ وما ذا يجدى أو يضير إذا هو حضر أو تخلف ، وبين يدي سليمان من الحشود والقوى ما لا حصر له ؟ .
إنه سلطة السلطان ، وناموس الملك . . الطاعة والولاء ، لحساب الطاعة والولاء ، ولسلطان الهيبة والجلال . . ! وفي قول سليمان :
« ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ »
- هو علم من علم سليمان الذي آتاه اللّه . . فهو حين ينظر فلا يرى الهدهد ، يتهم نفسه أولا ، ويتشكك في أن تكون حواسه قد خدعته : « ما لي لا أرى الهدهد ؟ » ولم يقل : « أين الهدهد ؟ » ولم يقل : « إن الهدهد غائب ! » . . وهذا هو شأن أصحاب العلم ، إذا التمسوا حقيقة من الحقائق ، فلم يجدوها بين أيديهم ، تشككوا في أسلوب تفكيرهم الذي لم يصل بهم إلى الحقيقة ، ثم أعادوا البحث والنظر . . حتى يجدوا ما يطلبون . . أما إذا التمس المرء الحقيقة ثم لم يجدها ، ثم كان ذلك مدعاة له إلى إنكارها ، فذلك ليس من أسلوب العلماء ، ولا من طرق تحصيل العلم .
فسليمان ، إذ لم ير الهدهد . . وقف موقف الشك . حتى ينجلى الموقف . .
إنه لم يره ، وقد يكون موجودا ، وقد يكون غائبا ! ثم استبان له بعد هذا ، أن الهدهد غائب ! . . ومن هنا كان هذا الوعيد بالعقاب الأليم له ! ويطلع « الهدهد » على سليمان بما لم يكن يحتسب ، ويهجم عليه ، وهو