تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 459

مساهمون:

ص٤٥٩
وتعالى في أول سورة البقرة بقوله :
« وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ »
. . فالمراد بهذه الآية هم اليهود . . والمطلوب منهم أن يؤمنوا بالآخرة وأن يستيقنوها . . فهم وإن ذكروا الآخرة لا يذكرونها إلا بألسنتهم ، ولكن قلوبهم منعقدة على إنكارها . . قوله تعالى :
« وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا »
. تكشف هذه الآية عن حال من أحوال الإنسان ، وهو أنه مولع بحبّ العاجل من المتاع ، يطلبه ، ويؤثره على الآجل ، وإن كان فيه من الخير أضعاف العاجل الذي طلبه وآثره . . ! ومن هنا ، كان أكثر الناس يطلبون الدنيا ، ويستوفون حظوظهم منها ، دون أن يتركوا للآخرة شيئا . . وهذا ما يحملهم على أن يهتفوا بالشرّ ، ويلحّوا في طلبه ، حتى كأنه خير محقق . ووصف ما يستعجله الناس من متاع الحياة الدنيا بالشرّ ، إنما هو بالإضافة إلى الحال التي يتلبّس بها طالبوه ، حيث يصرفهم عن الآخرة ، ويعمى أبصارهم عن النظر إليها . . فهذا المتاع ليس شرا في ذاته ، وإنما هو شرّ بالنسبة لمن شغلوا به عن الآخرة ، وأذهبوا طيباتهم في حياتهم الدنيا ، واستمتعوا بها . . وفي هذا أيضا نخسة لبنى إسرائيل ، وأنهم طلّاب دنيا ، لا ينظرون إلى ما وراءها . . قوله تعالى :
« وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا »
. . مناسبة هذه الآية لما قبلها . . أنها تكشف عن وجهين من وجوه الحياة المتسلطة على الناس ، وهما النور والظلام ، وهما أشبه بالوجهين اللذين يعيش فيهما الناس ، وهما وجها الخير والشرّ اللذان أشارت إليهما الآية السابقة . .
التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 459 | عبد الكريم الخطيب