تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 443

مساهمون:

ص٤٤٣
بهم الغرور ، ويستولى عليهم الأشر والبطر ، شأن أصحاب النفوس النكدة ، والقلوب المريضة ، إذا مستها رحمة من رحمات اللّه ، مكرت بها ، وأحالتها في كيانها شرّا وبلاء ، تتغدى منه ، وتلقى بثمره النكد إلى كل ما حولها . . كالأرض الملح ، ينزل عليها الغيث ، فتتحول إلى برك ومستنقعات ، لا تفوح منها إلا الروائح العفنة ، ولا يتحرك على صدرها إلا الهوامّ والحشرات ! وفي قوله تعالى : « في الكتاب » إشارة إلى أن ما قضى اللّه به في بني إسرائيل ، وألزمهم إياه - هو مما في كتاب اللّه ، وهو اللوح المحفوظ . . وفي هذا توكيد لهذا القضاء المبرم ، المكتوب ، وأنه لا مفرّ منه . . هذا ، ويرى « الزمخشري » أن المراد بالكتاب هو « التوراة » متابعا في هذا من سبقه من المفسرين ، وقد تبعه على هذا الرأي من جاء بعده . . ! وقليل من المفسرين من قال بأن الكتاب هو « اللوح المحفوظ » باعتبار أن ذلك رأى مرجوح . . والذي نقول به ، هو أن المراد بالكتاب ، هو الكتاب المسطور ، وهو اللوح المحفوظ ، وهو أم الكتاب . . كما يقول سبحانه وتعالى :
« وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ »
وهذا هو الأنسب والأولى في هذا المقام . . وذلك لأمرين : أولهما : أن اللّه سبحانه وتعالى قد وصف الكتاب الذي جاء به موسى - وهو التوراة - بأنه هدى لبنى إسرائيل . . وليس يتفق مع هذا الوصف أن يحمل إليهم هذا الكتاب دعوة إلى الإفساد والتحبّر في الأرض ! أما ما في كتاب اللّه المسطور ، فهو قدر مقدور لهم ، خفى عليهم أمره . . شأنهم في هذا شأن ما قدّر على الناس من أقدار . . فهم - والحال كذلك - مدعوّون إلى الهدى ، بهذا الكتاب الذي جاءهم به موسى ، ثم هم - مع هذا - واقعون تحت هذا القضاء الذي حجبه اللّه عنهم ! !