تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 740

مساهمون:

ص٧٤٠
على رجم ابنه ؟ أإلى هذا الحد ينحدر الإنسان إلى ما لا يرضى به الحيوان لنفسه مع أولاده ؟ ولقد أفاق الرجل من سكرة جهله ، وضلاله ، حين نطق بهذه الكلمة
« لَأَرْجُمَنَّكَ »
ورأى أن ابنه قتيل بيده ، وأنه دمه يسيل فيغطى الأرض من حوله . . ومع هذا فلم تكن هذه الصحوة لتعيد إلى الرجل ما عزب من عقله ، أو لتصحح ما انحرف من عاطفته ، بل إن كلّ ما كان لهذه الصحوة ، هي أن جعلته يذكر أنه أب قد كانت بينه وبين هذا الإنسان الذي يهمّ برجمه ، شؤون وشؤون . . وهذا ما جعله يمسك يديه عن هذا الفعل الآثم ، فيصرخ في إبراهيم : أن أغرب عن وجهي ، قبل أن يعود إلىّ جنونى ، وأفتك بك ! ! وهذا هو سرّ العطف بين قوله تعالى :
« لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ »
وقوله تعالى :
« وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا »
الأمر الذي يشير إلى أن هنا كلاما محذوفا بين المتعاطفين ، تقديره : فانج بنفسك
« وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا »
أي اهجرني زمنا طويلا ، وليكن إلى الأبد ! وانظر كيف استقبل إبراهيم هذه الثورة العاصفة المجنونة ، وكيف ردّ هذا الحمق الجهول ، بتلك القولة الكريمة الحانية :
« سَلامٌ عَلَيْكَ . . سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي . . إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا »
! ! أي إن ربّى كان مكرما لي إكراما عظيما . . وكما أكرمني ربّى ، سأكرمك بالاستغفار لك ؛ وطلب المغفرة من ربّى ! إنها الكلمة الجديرة بأن تكون من خليل الرحمن ، الذي وصفه سبحانه وتعالى بقوله .
« إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ »
( 75 : هود ) . فما يكون هذا الحلم ، ولا تلك الوداعة ، ولا ذلك الرفق ، إلا من مثل هذا النبىّ الكريم ، الذي أدّبه ربّه أدبا رفعه به إلى مقام الخليل ! ويأخذ إبراهيم طريقه إلى ربّه ، ويدع أباه وقومه ، وما هم فيه من عمى