تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 688

مساهمون:

ص٦٨٨
قبل هذا كلّه ، إيماننا بقدرة الخالق ، وبتقديره لكل شئ ، وأننا إنما نعمل لنحقق إرادته مما أودع في الكائنات من أسباب ، وبما جعل لها من مسببات . . فهذا الإيمان هو الذي يسند الإنسان في صراعه مع الحياة ، وهو الذي يشدّ عزمه ، ويدفع به إلى غايات لا يتطلع إليها أولئك الذين فقدوا هذا الإيمان . . وشتّان بين من يعمل ، وهو على يقين بأنه في رعاية ربّ الأرباب ، وأقوى الأقوياء ، وبين إنسان يعمل معزولا عن الشعور بهذا الإيمان . . يعمل في حدود جهده البشرى المحدود ، دون سند أو ظهير ! إن النعمة في كل صورة يتلقاها المرء عليها ، لا يدخل منها على قلب المؤمن بالقدر ، زهو ولا خيلاء . . لأنها من عند اللّه ! وإن البلاء ، والشدّة ، والضرّ . . لا يقع منها على قلب المؤمن بالقدر ، يأس ولا قنوط من روح اللّه . .
« إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ »
. . الكافرون باللّه ، وبما قدّر اللّه ! والقدر بهذا المفهوم لا يخلى الإنسان من مسئولياته ، إزاء الحياة ، وإزاء التكاليف المنوطة به فيها . . فهو مطالب بأن يجهد جهده ، ويبلى بلاءه في كل أمر يعرض له ، وأن يلقاه بكل حوله وحيلته ، وأن يجئ إليه بعلله وأسبابه ، التي يراها ويقدّرها . . فإن هو فرّط أو قصّر ، كان ملوما ، وكان أهلا للجزاء الذي يناسب تفريطه ، وتقصيره . فليس إيمان المؤمن بالقدر ، وبأنه صائر آخر الأمر إلى المصير المقدور له - ليس هذا الإيمان بالذي يخلى المؤمن من المسئوليات المنوطة به . . فهو مطالب بأن يقدّر ويفكر ، ويدبّر ، ويعمل بالقدر الذي يسعفه به تفكيره ، ويحتمله جهده . .
التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 688 | عبد الكريم الخطيب