تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 686

مساهمون:

ص٦٨٦
له متأوّلا . . تماما كما يقع لعيني الإنسان منا كلّ يوم من مئات الأحداث ، في نفسه ، وفي غيره ، دون أن يعرف وجه الحكمة فيها . . ولو أننا وجدنا مثل العبد الصالح من يكشف لنا عما وراء هذه الأحداث ، لما أصابنا همّ ، ولما بتنا على قلق ، لما وقع أو يتوقع من سوء ، وما نزل أو ينزل من مكاره ، ولظهرت لنا هذه الأحداث آخذة أتمّ وضع وأصلحه لنا ، ولنظام الوجود العام كله . . وهذا ما تشير إليه المأثورة الإسلامية : « لو اطلعتم على الغيب لاخترتم الواقع » ! وإذن . . فالماديون الذين ينكرون القدر ، هم محقّون ومبطلون في آن . . هم محقون ، لأن كل ما ينسب إلى القدر ، ويضاف إليه ، ليس شيئا خارجا على سنن الكون ، ولا مطلقا من العلل والأسباب التي تحكم الوجود وتمسك بكل موجود . . وغاية ما في الأمر ، أن هذه العلل ، وتلك الأسباب مطوية عنّا ، بعيدة عن واقع علمنا ، وأنها لو انكشفت لنا لما كان فيها إلا ما نراه في كل أمر نعلم حقيقته ، ونعلم العلل والأسباب المتحكّمة فيه . . وهم مبطلون . . لأن العلم الذي في أيديهم ، والذي يستطيعون به النظر في الوجود - هو علم قاصر محدود ، لا يحمل من الطاقات الضوئية ، إلا شعاعات باهتة متكسّرة ، لا تنفذ إلى أعماق الوجود ، ولا تكشف إلا بعض ما يظهر على حافاته وحواشيه . . وعلى هذا ، فإنه ستظل موجودات الوجود كلها - فيما عدا هذه القشور منها - بعيدة عن متناول العلم ، مجهولة الأسباب والعلل . . وهي التي تطلع علينا حين تطلع ، قدرا مقدورا . . لا نعرف لها تأويلا ، ولا ندري لها تفسيرا ! والعبرة الماثلة لنا من قصة موسى والعبد الصالح ، هي أن نلزم أنفسنا الأخذ بالأسباب الظاهرة لنا ، وأن نصرّف أمورنا بمقتضى هذه الأسباب التي تقع في