كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ »
( 3 - 4 : الملك ) . .
أرأيت إلى جماعة كبيرة من العازفين على مجموعات متعددة من آلات الموسيقى ، يقومون على أداء لحن رائع منسجم متناغم ؟
إن الذي لا يحسن لغة الموسيقى ، ولا يعطى أذنه وقلبه لهذا اللحن الذي يجتمع من هذه الأنغام التي ترسلها أيدي العازفين ، وأفواههم وأرجلهم ، من تلك الآلات التي يقومون بالأداء عليها - لا يرى إلّا فوضى مجنونة متخبطة ، ولا يسمع إلا ضجيجا وصخبا وتلاطما . . أما حقيقة الأمر ، فهو - عند الموسيقى - على خلاف ذلك تماما . . إنه يرى تآلفا وتلاقيا ، ويسمع تجاوبا وتناغما ، فيجد لذلك روح روحه ونشوة فؤاده ، ويقظة وجدانه . .
ذلك أشبه شئ بالوجود في نظر من يعلم ومن لا يعلم ! وننظر مرة أخرى إلى ما كان بين موسى والعبد الصالح . .
لقد كان موسى يسير في اتجاهه الإنسانى . . ويأخذ طريقه على قدر ما ينكشف له من عوالم الوجود . .
على حين كان العبد الصالح يسير في اتجاه الدولاب القدرىّ . . ويأخذ الأمور على الوجه الذي تستقيم فيه مع حركة هذا الدولاب القدرىّ . . وقد وقع الصّدام ، بل والصراع بين الاتجاهين . .
والواقع أنه لم يكن ثمة خلاف بين هذين الاتجاهين . . إذ كل منهما منته إلى نهاية واحدة ، يلتقيان عندها . .
وكل ما في الأمر ، أن الحركة القدرية في هذه المرحلة القصيرة التي صحب فيها موسى صاحبه ، قد وجدت في العبد الصالح مفسّرا لها ، وكاشفا عن وجهها ، ولولا هذا لظلّت في عيني موسى وفي تفكيره قدرا لا يدرى له مفهوما ، ولا يعرف