تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 687

مساهمون:

ص٦٨٧
تفكيرنا وتقديرنا ، وألا نتطلّع إلى ما وراء ذلك . . ففي هذا - وفي هذا وحده - ضمان لاستقامة تصرفاتنا ، مع ما يصلح عليه أمرنا ، وأمر المجتمع الإنسانى الذي نعيش فيه . . إن القوى المحدودة التي أودعها اللّه فينا ، هي التي تتفق اتفاقا تامّا مع الوجود الذي أقامنا اللّه عليه ، ومع الموجودات التي أوجدنا اللّه معها . . فجوارحنا ، ومدركاتنا ، مضبوطة على أعدل وضع يمكن أن يعطينا من الحياة أكبر قدر يمكن أن نأخذه منها ، وأن ننتفع به على الوجه الملائم لنا . . ولو خرجت مدركاتنا وحواسنا عن هذا المعدّل - بالزيادة أو النقص - لاضطرب وجودنا ، وفسد نظام حياتنا . . فالماء الذي نشربه ، والذي نراه نظيفا ، سائغا - إذا نظرنا إليه بما وراء أبصارنا - كالمجهر مثلا - رأيناه مسبحا لجيوش كثيرة من الحيوانات . . وهو بهذه النظرة يتحول - في تصورنا - من طيّب سائغ ، إلى ماء تعافه النفس ، وتقزّز منه ، وتموت عطشا دون أن تقدم على شربة منه . . وكذلك قل في كل ما نأكل وما نشرب . إننا لا نرى في مأكولنا ومشروبنا ما نكره ، ولكنا إذا نظرنا إليه بعيون مجهريّة ، تبين لنا أن هناك عوالم سابحة فيه ، من غرائب المخلوقات ، تأخذ طريقها إلى جوفنا ، دون أن نراها ، فلا يهنئونا مع ذلك طعام ، ولا يسوغ لنا شراب ! وقل مثل هذا في المسموعات ، والمشمومات والمذوقات ، إذا نحن جئناها بحواس أقوى أو أضعف من حواسّنا . . إنّها تقع منا موقعا بغيضا كريها . . من الخير إذن ، ومن الرحمة بنا أن نعيش فيما خلقنا اللّه بما خلقنا به ، وألّا نذهب إلى أبعد مما قدّر لنا . . بل نجعل الأسباب المعروفة لنا ، هي الأساس الذي نتصرف بمقتضاه ، في تعاملنا مع الحياة ، وملابستنا للموجودات . . ثم ليكن
التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 687 | عبد الكريم الخطيب