تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 684

مساهمون:

ص٦٨٤
وتعمل جميعها لهدف واحد . . فلا يرى الرائي منها إلا حركة واحدة ، وإلا اتجاها واحدا . . هكذا يرى المهندس الميكانيكى أو الكهربى حركات الجهاز ، الذي يقوم عليه ، ويديره . . إنه يعرف وضع كل قطعة منه ، كما يعرف وظيفتها ودورها الذي تؤديه . . أما من ينظر إلى هذا الجهاز نظرا سطحيا بغير علم ، فإنه لا يرى فيه إلا أشياء صاخبة مضطربة ، يضرب بعضها وجه بعض ! كذلك هذا الوجود الذي نحن فيه ، وهذا العالم الذي تقلّنا أرضه ، وتظلنا سماؤه - حيث ننظر ، فلا نرى - لعلمنا القاصر . . إلّا فوضى ، وإلا اضطرابا ، وإلا تخالفا وعنادا بين كل موجود وموجود ، الأمر الذي يوقع بين الموجودات هذا الصراع الحادّ المتصل . . سواء في ذلك عالم الجماد ، وعالم الأحياء . . فالبحر تهيجه العواصف وتثيره الرياح ، وهو بالتالي يصخب ويموج ، ويضرب بأمواجه العاتية في أصول الجبال ، فتتصدع وتنهار . . والجبال بدورها ، تتصدى للرياح العاتية فتلطم وجهها ، وللسحب السائرة ، فتمزّق أوصالها ، وتلقى بها تحت أقدامها . . وكذلك الشأن في عالم النبات والحيوان ، والإنسان . . هي في صراع دائم ، فيما بينها وبين الموجودات القريبة أو البعيدة منها . . والإنسان بخاصة يواجه الموجودات كلها ، ويدخل معها جميعها في صراع ، لا يلقى معها سلاحه إلا إذا استسلمت له ، وأعطته ولاءها . . هكذا يبدو الوجود غارقا في الفوضى ، لمن ينظر إليه نظرا شاردا ، لا يستصحب معه فيه عقله ، ولا يفتح له قلبه . . أما حقيقة هذا الوجود ، فهو نظام محكم دقيق ، وتناغم منسجم رائع ، وتجاوب بين كل ذرة من ذراته ، وكل موجود من موجوداته . .
« ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ ، فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ ، ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ
التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 684 | عبد الكريم الخطيب